البنوك الاسلامية وطبيعة عملها..

محسين زويتن

 

بالفعل وأخيرا بعد صراع مرير ستدخل البنوك الاسلامية الى المغرب وهو آخر الدول الاسلامية التي ستعمل بهذه البنوك وتحت اسم البنوك التشاركية بدل الاسلامية لا لشيء سوى سوى تفادي مصطلح “الإسلامي” حيث انه اول اجراء من حكومة يرأسها سياسي بتوجه إسلامي، مع العلم ان هذا النمط من البنوك معمول بها في اوروبا، بريطانيا على سبيل المثال. ان هذه البنوك يعود ظهورها الى سنة 1973 وذلك بتوصية من وزراء المالية للدول الاسلامية بجدة. إلا ان الاسباب الاقتصادية والمالية التي اصبح يعيشها المغرب في الآونة الاخيرة فرضت بتعجيل اقترابها من حيز التطبيق والعمل بها، مع ان نفور المواطن المغربي من البنوك التقليدية ساهم بشكل كبير التسريع من وتيرة المصادقة على دخولها الى المغرب، ومن شأن البنك التشاركية هذه ان تضخ اموال مهمة في الاقتصاد الوطني وتنشيطه وكذا الرفع من الاستثمار وزيادة النمو الاقتصادي.

ان المواطن المغربي ينتظر بفارغ الصبر بدأ العمل بالبنوك الاسلامية لتخليصه من البنوك التقليدية التي انهكت كاهله بالفوائد المرتفعة، وفي مخيلته ان هذه البنوك ستمنحه قروض بدون فائدة وهو يجهل ماهيتها وطريقة الاستفادة منها. ان البنوك الاسلامية مؤسس مالية قائمة على الربح وليست جمعية او تعاونية قائمة على فعل الاحسان إلا ان هامش الفائدة سيكون مختلف وكذا طريقة استقطاب الزبناء والامتيازات الممنوحة لهم، وفي الآخير فهي تتقاسم الايجابيات والسلبيات مع البنوك التقليدية. كما أن البنوك التشاركية، وفق مشروع القانون البنكي الجديد، ستمارس أنشطتها بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة، وكذا العمليات التجارية والمالية والاستثمارية باستثناء كل عملية تعامل بالفائدة أخذا أو عطاء، مشيرا إلى أن اعتماد هذه الأبناك «سيحقق مجموعة من الإيجابيات على المستوى المالي والاقتصادي، لأنها ستعمل على تعبئة الادخار الوطني والخارجي بالنسبة للمواطنين المقيمين أو الجالية المغربية في الخارج، كما ستعمل على جلب استثمارات خارجية وداخلية، وستقوي كذلك تنافسية القطب المالي    بالدار  البيضاء.

ومن صيغ العقود عند البنوك الاسلامية أو بالاحرى –منتوجاته- في التعامل مع الزبناء: عقد المرابحة، الاجارة، المشاركة، المضاربة.

وبالنظر الى هذه الصيغ من العقود نطرح السؤال التالي: هل البنك الاسلامي تاجر أمْ وسيط مالي؟ لأن البنك الإسلامي الذي يعتمد على فكرة المضارب يضارب.
فإذا نظرنا إلى المسألة من المنظور الإسلامي ، ومن منطلق الشريعة نجد أن الأحكام الشرعية في العبادات وفي المعاملات ليس فيها جزء مخصص للتجار وآخر للوسطاء الماليين ولكنها تتعلق بالمكلفين ( الإسلام العقل ، البلوغ …)، ومن ثم فليس في الشريعة “مكلف” اسمه وسيط مالي له أحكام خاصة به، كما أنه ليس فيها تاجر يختلف في أحكامه عن بقية المكلفين لمجرد أنه كذلك، فالعلاقات بين الناس التي يترتب عليها التزامات وحقوق ينظر إليها من منظور التكليف وما كان محرما على أي واحد منهم فهو محرم على الجميع لا يخرجه من الحرمة أن الممارس له تاجر أو موظف أو وسيط مالي . والمباح مباح للجميع تجارا كانوا أم غير تجار. وكما أن القوانين الوضعية تسأل هل أنت تاجر أم وسيط مالي، فهي تسأل هل أنت تاجر أم موظف لمن كان يبيع ويشتري وهو في سلك الخدمة المدنية لأن في كثير من الأحيان يجيز القانون التجاري للتجار ممارسة تصرفات ونشاطات لا يجيزها لسواهم وهم يتمتعون بها لمجرد أنهم تجار، ويمنع سواهم من ممارسة نفس ذلك العمل (فمثلا موظف الخدمة المدنية ممنوع من ممارسة التجارة). ولذلك جرى العرف والقانون على حصر نشاط البنوك التجارية في الوساطة المالية بعيدا عن التجارة، كما أن القوانين التجارية قامت على حصر نشاط التجار في التجارة بعيدا عن عمل المصارف وعن الوساطة المالية. ولكن السؤال لا يترتب عليه حل ولا حرمة من ناحية الشرعية. وكذلك الحال في الأول، فلماذا نسأل إذن “هل أنت وسيط مالي أم تاجر” الجواب عن ذلك: لأن هذا السؤال قانوني وليس شرعي. لا ننكر أن لولي الأمر أن يصدر من اللوائح والتعليمات ما يحقق الاستقرار في المعاملات بين الناس وينظم حياتهم الاقتصادية والتي ربما كان فيها منع لمباح لتحقيق مصلحة يراها ولي الأمر أو حصر نشاط معين في فئة محددة. لكن تلك مسألة أخرى. وعلى ذلك فإن إثبات أن المصرف الإسلامي “تاجر” لا يترتب عليه حكم شرعي وكذلك الحال في إثبات أنه وسيط مالي. إن الحكم على تصرفاته وجواز نشاطه معتمد على النظر في هذه النشاطات للتأكد أنها خالية من المحرمات ومن مفسدات العقود. نستطيع أن نقرر إذن أن السؤال ليس ذا أهمية من الناحية الشرعية. هذا لا يعني أنه غير مهم من الناحية العملية، لكن لابد من التأكد أننا ننظر إليه من خلال المنظور المناسب. إذن فما هي مبررات التفريق بين عمل الوسيط المالي وعمل التاجر؟

اعتمدت فكرة المصرف التجاري التقليدي على التوسط بين المدخرين (فئة الفائض) والمستثمرين (فئة العجز) بالاقتراض من الطرف الأول ثم الإقراض إلى الطرف الثاني. هذه الوساطة الغرض منها “فصل” المخاطر بإدخال المؤسسة المصرفية بين أرباب الأموال ومستخدمي هذه الأموال. فالمدخر لا يهتم بالمخاطر في النشاط الذي تستخدم الأموال فيه بل ينظر إلى المخاطر التي يتضمنها التعامل مع هذا البنك، فيقولون عن المدخر أنه “يأخذ مخاطرة البنك. أما مخاطرة المستثمر (أي مستخدم الأموال) فيتحملها البنك، ولذلك يقولون إن البنك “يأخذ مخاطرة العميل. ومن ثم اتجهت القوانين المصرفية إلى ضرورة أن يتوفر المصرف على قدرة مالية تمكنه من الوفاء بالتزاماته تجاه المودعين حتى لو لم يف المستثمرون بالتزامهم تجاهه لانفصال الأمرين عن بعضهما البعض، ولذلك فإن فكرة المخاطرة في العمل المصرفي التقليدي، إنما تدور حول هذه المسألة وهو المواءمة بين الأصول والخصوم، أي موارد البنك، وأهمها الودائع واستخدامات أمواله وأهمها القروض. ويعد المصرف في خطر جسيم مثلا إذا تقبل ودائع بفائدة ثابتة وأعطى قروضا بفائدة متغيرة لأن المخاطر غير متوائمة. إن مواءمة المخاطر في جانبي الأصول والخصوم هي أهم عمل تقوم به إدارة أي مصرف، والفرق بين الإدارة الناجحة والإدارة الفاشلة هو في مدى القدرة على “إدارة المخاطر”.

 أما فكرة المصرف الإسلامي فهي قائمة على أساس مختلف تماما، ذلك أن أرباب الأموال “المودعين” هم الذين يتحملون مباشرة مخاطر المستثمرين. ولذلك فإن عمل البنك الإسلامي مختلف تمام الاختلاف، فهو لا يقوم على تحمل المؤسسة المصرفية لمخاطر مستخدمي الأموال، بل هي وسيط يقوم أرباب الأموال من خلاله بتحمل مخاطر الاستثمار مباشرة.

إن للتفريق بين عمل التجار وعمل الوساطة المالية في النموذج المصرفي التقليدي أسباب وجيهة ومبررات منطقية، لأن المواءمة بين الأصول والخصوم لا تتأتى إلا إذا تساوى مستوى المخاطرة في الجانبين. فإذا حصل المصرف على ودائع قصيرة الأجل، فإن استخدامها في التجارة، هو نشاط متدني السيولة بطبيعته، فيه تحمل للمصرف لقدر من المخاطر أكبر مما يسمح به مطلب استقرار العمل المصرفي. ومن ثم لزم منع البنوك من ممارسة التجارة.