قصة الطب والنظافة بأوربا

فريق التحرير

 

 

  Sans titre 1

   ظلت ممارسة الطب بأوربا بدائية  إلى ما بعد عصر النهضة، ويعد كلود بيرنار أول من ربط الطب بالمنهج التجريبي، كان الطب ميدانا مفتوحا من ميادين الصراع بين الكنيسة و الشعوب الأوربية التواقة إلى الانعتاق، و على العكس مما حدث في  الغرب الإسلامي الذي تخلص من عبودية الوهم بفضل الدين،  فإن أوربا عانت الويلات من هيمنة رجال الدين الذين قاوموا التفكير العقلاني، ونشروا  الخزعبلات بين الناس، وقد حظرت الكنيسة التداوي باسم الرب، و عدته من الكبائر الموجبة لسخطه، وحصرت العلاج في تعاويذ و رقى رهبان الكنيسة، وحرمت النظافة لأنها تشبه وضوء المسلمين.

   ولهذا لا نعجب من وصاية الرهبان على المستشفيات الأوربية  منذ نشأة أول مستشفى في أنجلترا على يد القديس بارثو لماوس عام 1123 م، و نستطيع القول أن  تلك المستشفيات  كانت أبعد ما يكون عن ممارسة الطب.

   وظلت تفسيرات  أوربا للأمراض تفسيرات خرافية بعيدة عن الصواب،  فالطاعون الذي فتك بأعداد ضخمة  من أبناء الشعوب الأوربية  على سبيل المثال في أواسط القرن  الرابع عشر الميلادي، كان مجهولا عند معظم الناس،  وأرجعوا أسباب تفشي  الوفيات حينئذ إلى سم  يضعه اليهود في الآبار فأحدثوا فيهم  بسبب هذا التفسير الغريب   مجازر رهيبة،

  إن أروبا لم تعرف النظافة و الحمامات إلا بفضل احتكاكها بمسلمي الغرب الإسلامي،  ففي الزمن الذي كانت  الحمامات العمومية  تبنى هنا في فاس والرباط و مراكش بالمئات، كانت أوربا تتملس طريقها نحو  بناء مفهوم الصحة العامة و نظافة البيئة، دون أن تدرك شأو المغاربة فيهما، يقول توريس بالباس متحدثا عن نشأة  الحمامات العامة بإسبانيا: “وقد تأصلت هذه العادة في إسبانيا الإسلامية وأصبح  للحمام نفس وظائف  مثيله الشرقي ولم تكن الحمامات قاصرة على المدن التي يحكمها المسلمون بل إنها تعدتها إلى المدن الأخرى  “.

 

   غير أنه كان يلزم إسبانيا  و أوربا من خلفها قرونا من الاجتهاد كي ترسخ فكرة النظافة في أذهان أبنائها، فمحاكاة المغاربة  وحدها لم تكن كافية كي يتعود الناس على الحمامات  وتنظيف الشوارع و الطرقات، وقد أشار جوستاف لوبون إلى ظاهرة غاية في الطرافة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ،وهي خير مثال لمعاينة عمق الفروق الحضارية بين أجدادنا وبقية الأمم التي عاصرتهم يقول لوبون:  “في 1760 م اقترح بعض الإسبان كنس الطرقات بمدريد من الأزبال التي تغمرها فاحتجت الهيئة الطبية زاعمة أن اجدادهم كانوا حكماء وأنهم عاشوا في الأزبال فلماذا لا يعيشون فيها كذلك”.