من الأكثر دموية؟

يوسف بخوتة

  

  DSCN0068 - Copie (2) - Copie

  سؤال محير سألت به أصدقاء لي، فكان الجواب أكثر حيرة من  السؤال، همهمات هنا وأخرى هناك ولا من يشفي الغليل، من الأكثر دموية عبر التاريخ؟ هل النظام الليبرالي أم الاشتراكي أم الإسلامي؟

  سؤال طائش من مخيلة حمقاء ربما، لكن الجواب عنه في غاية التداخل والتشابك، إذ تتشابك الأحدات وتتداخل، ويتداخل نظام بنظام في تنافر واضح، وانسجام مصطنع، ونفاق فاضح. إذ أن كل الانظمة التي ذكرنا لها نصيبها من الدم،

  فالنظام الليبرالي عندما أراد ان ينتشر عبر العالم، حصد الكثير من الأرواح البريئة، وارتكب الحماقات والمجازر في حق الشعوب التي لم تكون ترغب في الدخول تحت راية هذا النظام، أو كان لها نظاما خاصا وفكرا مستقلا تفكر به، راضية بما اتفق عليه شرفاء قومهم. لكن حين جاء هذا النظام وأخض هنا بالذكر المستعمرات التي اجتاحتها القوات الليبرالية التي توسعت على حساب الأخر من أجل الربح الكثير، فالربح والمال هو أساس هذا النظام.

  ولا زال هذا النظام هو السائد حتى الآن، وهو النظام الغربي الذي حول الإنسان إلى آلـــة ومصدر للمال. واستباح دمه وجعله مالا، والمال هو الاقتصاد، والاقتصاد هو الدولة، والدولة هي النظام، ومن أجل هذا نشاهد كل هذا الدم المسكوب في كل بقاع العالم، فهو تكملة لما  قام به هذا النظام في السابق في عصر الرقيق والعبيد وأسواق النخاسة والملايين التي ذهبت غدرا في الأطلسي.

  لكن النظام الاشتراكي الذي يعتمد على أن يعيش الكل في حضن الكل، ومتساوون في الحقوق والواجبات، لم يخلو هو من دم، إذ في الوقت الذي توسع فيه عبر أوروبا الشرقية، لم يتوسع بالورود أو بالخطب الرنانة التي تشيد بالعامل وتفتخر بالفلاح، بل حمل السلاح ضد النظام الليبرالي الذي كان يجتاح أووربا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية أحفاد نابليون بونابارت وكريسطوف كلومبو ، وكذا ضد ال،سلامين في الشرق، وقد تمكنوا من تكوين امراطورية اشتراكية في شرق أووربا وشمال آسيا، لكن الغريب أن الدم لم يسفك في الخصوم فقط، بل حتى في من ناضلوا من أجل هذا الفكر والنظام، ونذكر هنا كيف قتل ستالين تروتسكي مؤسس الجيش الأحمر وهم المناضلين السابقين في نفس النظام.

  أما النظام الإسلامي الذي آتي قبل 14 القرن، لا يقل دموية هو الآخر عن الأنظمة الأخرى. إذ باسم الدين والتوسع ونشر الدعوة، تم فتح أقطر عدة بالسيف والجيوش، حيث استطاعوا أن يزحفوا بالدعوة من الجزيرة العربية مهد الديانة الإسلامية إلى أقصى الأرض في المغرب الأقصى والأندلس، وكذا أرض الهند والسند. وحتما لم تكون الدعوة سلمية، بل كان هناك معارك وسفك للدماء أيضا. وكتب التاريخ وكذا السيرة تسجل ذلك بالتفصيل المفصل.

  إذن كل الأنظمة  جاءت للإنسانية عبر أنهار من الدم. وقد شهدت عدة صدامات هذه  الأنظمة  فيما بينها، وكل هذا من أجل البقاء، والبقاء لم يكون إلا بالقوة، والقوة هي الدم. ولا زالت سنة الحياة في البقاء مستمرة إلى حد الآن، إذ نرى الآن تطاحن الأفكار والأنظمة دما، سواء نظام ضد نظام، أو النظام نفسه ضد نفسه،  ويبقى الضحية الأكبر هو الإنسان.

  لكن رغم هذا، فقد لا نعجب أن نجد اشتراكيا متطرفا في طيات النظام الإسلامي أو الليبرالي، أو نجد ليبراليا في نظاما شيوعيا اشتراكيا متطرفا ككوريا الشمالية، ولا نعجب أيضا أن نجد إسلاميا في روسيا مهد الاشتراكية، أو في أميركا وأروبا منبع الليبرالية، وهذه نظرية أخرى من نظريات البقاء بدون قطرة دم، إنها نظرية تقبل الأخر. فالخطأ فينا أننا نفكر لكي نقتل الإنسان.