استقلال القرم: من سكيزوفرينيا المصالح إلى تكريس واقع دولي جديد

سامي السلامي

 

slami_122658557
 
  أعلن المجلس الأعلى لشبه جزيرة القرم عن استقلالها، مطالبا بإنضمامها إلى روسيا، و ذلك بعد استفتاء شعبي عرف تصويت أزيد من 96% لصالح مقترح الانضمام إلى روسيا فيما عارضه 3,5%.
 
  و كانت روسيا قد أحبطت مشروع أمريكي داخل مجلس الأمن لاستصدار قرار يقضي بعدم شرعية الاستفتاء السابق الذكر، و ذلك بتفعيلها للفيتو، إذ شدد المندوب الروسي بكون الاستفتاء شرعي و يحترم القوانين الدولية و ليس سوى تطبيقا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة الذي يقر بحق الشعوب في تقرير مصيرها.
 
  و يأتي استقلال القرم ترجمة لما تحدثنا عنه في بداية الأزمة الأوكرانية، إذ أكدنا في مقال سابق على أن: « مستقبل أوكرانيا أكثر ضبابية من أي وقت مضى، و الصراع الروسي ـ الغربي الذي انتهت جولته الأولى بتقدم للاتحاد الأوروبي و الولايات المتحدة، سيستمر لجولة ثانية شهدت منذ بدايتها تدخلا روسيا مسلحا في منطقة القرم و إعلانا من موسكو عن اعتبار الرئيس الأوكراني المؤقت “ألكسندر تورتشينوف” مجرم حرب في حال استخدامه القوة في جنوب شرق أوكرانيا، ما يجعل البلاد أمام فرضية الانقسام جغرافيا واجتماعيا و سياسيا إلى جزأين أحدهما موالي للغرب و آخر تابع لروسيا».
 
  أزمة القرم هذه، أظهرت للجميع مدى السكيزوفرينيا التي تعاني منها القوى الدولية المتصارعة داخل أوكرانيا، و المبنية على ازدواجية المعايير في أزمات شبيهة.
 
  فروسيا التي تؤكد حق الشعب القرمي في تقرير مصيره، تقمع الشعب الشيشاني و تمنعه من ذلك، والولايات المتحدة الأمريكية (و.م.أ) و الاتحاد الأوروبي اللذان يعارضان استقلال القرم، كانا بالأمس القريب من أشد الداعمين لانفصال إقليم كوسوفو عن صربيا و جنوب السودان عن السودان.
 
  كما أن و.م.أ تدعم الانقلاب في أوكرانيا في حين تعارضه في مصر، و هو ما جسدته تحركات السيناتور الأمريكي “جون ماكين”، الذي زار القاهرة قبل أشهر و لمح لموقف بلاده مما يقع في مصر معتبرا إياه انقلابا، قائلا: “تمشي كالبطة و تصدر صوت كالبطة، إذن هي بطة”، نفس السيناتور استقل طائرة خاصة إلى أوكرانيا و خاطب المعارضين البرتقاليين من على منصة في ساحة الاستقلال في كييف، مطالبا إياهم بالاستمرار في حراكهم الشعبي على حد تعبيره.
 
  هي السياسة الدولية، لا تعترف بالقانون أو الأخلاق، و إنما يتحكم فيها ضابطين إثنين هما: القوة والمصالح.
 
  و في خضم هذا التوازن الدولي الذي يعيدنا لسنوات الحرب الباردة، أطل علينا صقر البيت الأبيض “أوباما”، و بوق المفوضية الأوروبية “كاثرين أشتون” بتاريخ 17 مارس 2014، لاستكمال حديثهما عن مسرحية العقوبات المزمع إسقاطها على روسيا، فيما لم يمهلهما الدب الروسي “فلادمير بوتين” سوى 24 ساعة من خطابهما، ليرد عليهما بطريقة تنم عن قوة بلاده، معتبرا أن الدول الغربية تجاوزت الخطوط الحمراء و معلنا عن قرار انضمام القرم لروسيا و محذرا كل دولة تحاول المس بالأمن القومي الروسي.
 
  و في هذا الصدد، نجد أنه من الواجب علينا توضيح بعض النقاط الهامة:
 
ـ تجميد أموال مسؤولين روس لن يجدي نفعا، إن علمنا أن الرئيس الروسي”فلاديمير بوتين” قد أصدر قبل سنتين قرارا يمنع المسؤولين من وضع أموالهم خارج روسيا مع استرداد ما وضع سابقا.
 
ـ نستبعد تماما قيام الولايات المتحدة بتجميد أصول و أموال و سندات الدولة الروسية، لما لهذا الفعل من أثر خطير على النظام المالي العالمي، فإسقاط مثل هذه العقوبات على دولة نووية تملك حق الفيتو و تعتبر خامس أقوى اقتصاد في العالم، سيؤدي لا محالة إلى فقدان العالم الثقة في الدولار الأمريكي، مع فقدان المستثمرين للثقة و سحبهم لرؤوس أموالهم من السوق الأمريكية، اعتبارا منهم أن من جمد أموال وسندات دولة كروسيا، لن يقف حائرا أمامهم مع أول أزمة دبلوماسية بين بلدانهم و الولايات المتحدة، ما يعني أن الامبراطورية المالية العالمية المبنية على الدولار ستهوي لا محالة.
 
ـ روسيا حصنت نفسها إستراتيجيا و اقتصاديا داخل منظومتي البريكس و شنغهاي، و الحديث عن فرض عقوبات ضدها مجرد لعب أطفال، فكيف لمن هو عاجز اقتصاديا و يعاني من أزمات متتالية أن يفرض عقوبات على من هو منتعش و قوي اقتصاديا.
 
ـ قيام أوروبا مستقبلا بقطع العلاقات التجارية مع روسيا و التي تبلغ 450 مليار أورو سنويا، ستجابهه الأخيرة بالرفع من قيمة إمدادات الغاز أو قطعها، ما يعني أن الولايات المتحدة ستتمكن من ضرب عصفورين بحجر واحد و إدخال أقوى منافسين لها في دوامة صراع دائم.
 
ـ الولايات المتحدة و الاتحاد الأوروبي، لن يقدرا على القيام بأي أعمال عسكرية أو شبه عسكرية تستهدف إخضاع شبه جزيرة القرم للسيادة الأوكرانية، لأن أي عمل من هذا القبيل سيحرك حربا عالمية ثالثة تستعمل فيها روسيا أسلحتها النووية الإستراتيجية، على اعتبار أن أي تغلغل في القرم يعني فقدانها السيطرة على البحر الأسود و وضع الدرع الصاروخي المشترك للناتو في خاصرتها، و هو ما لن تقف موسكو عنده مكتوفة الأيدي.
 
 ـ هي مسألة أيام فقط، و نرى القرم جزءا لا يتجزأ من روسيا، سيتبعها جعجاعات لكل من أوباما، ميركل، هولاند، أشتون…و التي لن تخرج عن بروبغندا، يهون فيها المسؤولون الغربيون عن الاذلال السياسي الذي تعرضوا له على يد بوتين.
 
ـ مطالب الانفصال عن أوكرانيا لن تقف عند استقلال القرم، و إنما ستمتد لمناطق شرقية أخرى ذات غالبية سكان روس مثل محافظة دونيتسك، ما يفرض الاستماع إلى روسيا التي ستكون المفتاح السحري في التخفيف من تلك المطالب.
 
نقطع اليوم الشك باليقين، و نعلن جازمين غير مترددين و لا شاكين، أن الانتصار الروسي في جزيرة القرم و الذي سبقه آخر في أوسيتيا الجنوبية سنة 2008، ليس سوى تكريس لواقع دولي جديد بعودة رسمية لقوة عظمى لا تقبل بالأحادية القطبية و تطالب بتقسيم مناطق النفوذ من جديد.
المصدر http://www.samisoullami.com