أبو القاسم الزياني

فريق التحرير

أبو القاسم أوبلقاسم الزياني ابن أحمد بن النسابة “أبو الحسن علي بن ابراهيم”  ولد بفاس حاضرة العلم بوقته ،وأما نسبه فيرجع إلى قبيلة  “زيان “البربرية التي تقع في الأطلس المتوسط ورغم أصوله البربرية فقد وجه في كثير من كتبه نقدا لاذعا للبربر، يقول عن عبثهم بالدولة قبل تولي  محمد بن عبد الله    “وساءت أحوال المغرب معهم إلى أن رحمهم الله بولاية السلطان محمد بن عبد الله ،فساسهم بعلمه وبحزمه  ولما بويع ولده أمير المؤمنين مولانا سليمان ملك وقتنا أبقاه الله ساسهم سياسة والده بالرفق والحلم والإغضاء عن هفواتهم فأطغاهم حلمه وأفسدهم عدله ”  وهذا منتهى الإنصاف لمن تدبر كلام أبي القاسم فهو لم يتعصب لأصوله على حساب أمن دولته واستقرارها ،ولم يثنه خوف السلطان عن توجيه النقد لسياسته فطغيانهم حسب الزياني مرده إلى سوء تدبير السلطان .

ولد الزياني بفاس كما ذكرنا وكانت ولادته عام 1147ه   وقد نشأ في بيت فقه وعلم وأخذ عن علماء القرويين فبلغ في علوم عصره مراتب الرياسة، ومن شيوخه يومئذ   “عبد القادر بوخريص ” و” التاودي بن سودة ” وغيرهم من جهابذة فاس ممن كانت تشد لهم الرحال ،ولم يختر التبحر في علم التاريخ إلا بمحض الصدفة فقد عثر على كناش ضمن كتب جده علي يذكر فيه شجرة نسب عائلته موصولة إلى النبي نوح فتوجهت رغباته إلى دراسة هذا العلم الجليل وقد عاش المغرب في مستهل شباب أبي القاسم فترة اضطراب أتت على الأخضر واليابس فقرر والده الرحيل إلى المدينة المنورة والاستقرار بها غير أن الرحلة لم تكن موفقة بعد غرق السفينة التي أقلتهم في البحر ،ومن الحجاز عاد آل الزياني إلى مصر إلى أن سمعوا ببيعة السلطان محمد بن عبد الله واستقرار أحوال المغرب فقرروا العودة إلى فاس ،ولدى عودته بعد انقضاء ثلاث سنوات من الغربة اكتشف الزياني أن معظم الطلبة الذين درسوا معه قد التحقوا بخدمة السلطان  كابن الوزان  واسكيرج  وابن عثمان وسعيد الشليح الجزولي فشرهت نفسه للحاق بهم على حد تعبيره ،فتم له ذلك رغم معارضة والده وأصبح كاتبا بالبلاط العلوي ،غير أنه لم يسلم من دسائس البلاط ،وكذلك كل صاحب موهبة كالزياني ما أسهل ما يجد من ينفس عليه مزاياه ،فقد وشى به القائد الزموري واتهمه بالضلوع في ثورة  قبائل  آيت واملو ضد السلطان ،فأقصي عن منصبه ،لكن الزموري فشل في إخماد الثورة فاستعان السلطان بالزياني وقد لعبت معرفته بالتاريخ  وأحوال القبائل دورا حاسما في نجاحه في مهمته ،فالعداء بين قبائل آيت واملو وقبائل زمور مستحكم  ولا يمكن لزموري أن يطفئ نار الفتنة مادام منتسبا لأحد أطراف الخصومة ،وهكذا تمكن الزياني من إنهاء الثورة بلا حرب ولا قتال  وكذلك كان ناجحا في كل المهام التي أسندت إليه ففي سنة 1198ه سينجح في إخماد ثورة عم السلطان الحسن بن إسماعيل .

تقلب الزياني في العديد من المناصب إذ عين سفيرا لدى العثمانيين و أفضت مفاوضاته مع السلطان العثماني إلى تقديم المغرب لمساعدات مهمة للعثمانيين في حربهم ضد الروس .

كما أشرف على تدريب جنود البحرية و أسند إليه منصب والي تافيلالت سنة 1202ه وقد قال  السلطان حين ولاه أمور تافيلالت  ” طب نفسا فلولا أني أحبك ما وليتك على أولادي و أهل بيتي ” .غير أن حب السلطان و تقديره لمواهب أبي القاسم سينقضي بانقضاء عمره  ليخلفه السلطان اليزيد الذي يكن للزياني كرها  شديدا إذ لم يكتف بسجنه و مصادرة أملاكه بل حاول قتله و سامه من العذاب أصنافا و ألوانا ،ويروي الزياني وقائع تعذيبه في سجون اليزيد فيقول  “ولم أفق من غشيتي إلا بعد ثلاثة أيام فوجدت الحديد على رجلي و السلسلة في عنقي ويدي مكسورة وأصابعي كذلك فكان بعض الأحبة يأتيني ليلا بطبيب يعالج يدي ورأسي وجراحتي “

ثم نقل إلى سجن الرباط فاقتحمه  أهله وأخرجوه وتزامن ذلك مع وفاة اليزيد وتولي السلطان” سليمان أبو الربيع” فوجهه إلى وجدة للإشراف عليها ومن سوء حظه أن خرجت عليه بعض القبائل فصادرت ما كان معه من مال ومتاع ففر بجلده وقرر أن يغادر إلى وهران بعد أن مل خدمة السلاطين ،ثم رحل إلى تلمسان وبها اطلع على نخبة نادرة من المصادر التاريخية كتاريخ سليمان بن إسحاق  وهاني بن سيور وغيرها ومن الجزائر رحل إلى الإستانة فلقي بها احتفاء كبيرا لدى علمائها وحكامها  على حد سواء ،عاد الزياني بعد ذلك إلى فاس بعد أن وعده السلطان أبو الربيع ألا يسند إليه ولاية  تضجره وماهو إلا أن استقر به المقام بفاس حتى طالبه بالذهاب إلى العرائش فحاجه الزياني بخطابه إليه فحجه ،قضى الزياني الفترة الممتدة بين 1210ه و 1224ه متقلبا بين عدة مناصب كالكتابة و الحجابة و الوزارة ، فأوغر ذلك عليه صدور الحاسدين فعزله السلطان وكانت نقمة في طيها نعمة بالنسبة لأبي القاسم فقد تفرغ  للكتابة  و التأليف  فخلف مكتبة ضخمة في التاريخ و الجغرافيا و الأدب و العقيدة .

لم يكن الزياني في كتابته للتاريخ مقلدا لمعاصريه إذ تميز بمنهج خاص في تناول الأحداث فبرع في هذا العلم كما لم يبرع في غيره ، و به اشتهر ،فهو ينقل الوقائع و يحللها و يعلق عليها متحاشيا ما ساد في عصره من الخرافات، ملتزما بالأمانة في النقل و حسبك في هذا ما نقله عن حادثة تعرض لها بالشواطئ الإيطالية حيث أخذوا ماله وبضاعة جلبها من الشرق لغرض التجارة  فقال   “لما فتحنا صنادقنا و حوائجنا وجدناها على حالها لم يفقد منها قلامة ظفر بعد النهب و الاعتقال … فانظر إلى هذا الاحتراز و هذا الصدق الذي هو من شأن المسلمين صار للكفار ،ولو كان هذا الحادث وقع من عساكر المسلمين وتبين فيه التخليط وأمر ولاتهم برده ما بلغ على حاله ،بل لم يرجع نصفه ولا ربعه “ومثل هذا النقل الذي يتحفنا به الزياني فضلا عن أنه يعقد مقارنة  صادقة بين مسؤولي عصره من المسلمين و بين خصومهم ،فإنه يضع أيدينا على عوامل هامة تساعد على تفسير أسباب سقوط الدول الإسلامية وتخلفها لتصير لاحقا لقمة سائغة للاستعمار .

ألف الزياني كتبا كثيرة أهمها  “الترجمان المعرب عن دول المشرق و المغرب ” والذي أرخ فيه للبشر منذ بدء الخليقة إلى غاية سنة 1228ه و كتاب  “الترجمانة الكبرى التي جمعت أمصار المعمور كله برا وبحرا “. وفيها حديث عن التاريخ ووصف جغرافي للأماكن ومقتطفات أدبية شيقة ،فكانت كما قال عنها  “في كل مقام منها مقال و في كل روض منها مجال “و أرخ للدولة العلوية فكان من بعده عيال عليه في كتابة تاريخ العلويين،و أهم كتبه عن العلويين  “البستان الظريف في دولة  أولاد مولانا علي الشريف  ”  وفي العقائد كتب الزياني  “الدرة السنية الفائقة في كشف مذاهب أهل البدع من الخوارج و الروافض و المعتزلة والزنادقة “وفي أدب الرحلة خلف  “رحلة الحذاق لمشاهدة الآفاق ”   .

اعتزل الزياني السياسة منذ 1224ه ولزم بيته وفي ذلك  يقول  “

                أنست بوحدتي و لزمت بيتي                فدام الأنس لي و نما السرور

               و أدبني  الزمان  فما   أبالي                هجرت  فلا  أزار ولا  أزور

               ولست  بسائل ما  دمت  حيا               أسار  الجند  أم  خرج   الأمير

غير أن اعتزال الزياني لم يمنعه من متابعة ما يجري حوله و إبداء رأيه في أحداث عصره ومواقفه  تدل على صدعه بالحق ولعل ذلك من أهم الأسباب التي أدت إلى إقصائه.

يقول الزياني في قصيدة بعث بها إلى السلطان عبد الرحمان

          اخفض  جناحك   للشكاة   والقهم               واسمع  كلامهم  واعمل بما  فيه

          لا تعتمد في المظالم  على  حاجب               ولا وزير فوالي  الجور يرشيه

          قد جاء في الذكر لعن الظالمين غدا               وفي الحديث الذي تتلو و ترويه

اعتكف ذو الوزارتين بالزاوية العيساوية بفاس  و بها ألف جل كتبه ولما كان عام 1249ه  أسلم الروح لباريها عن عمر يناهز مائة عام ،وقد دفن بالزاوية الناصرية  بفاس بأمر من السلطان

تعليقات