ثلاث أسئلة مع الطالب الباحث سامي السلامي

يوسف بخوتة

 إلا أن منطق التوافقات هذا لن يدوم إلى أبد الدهر، فكل التوقعات المستقبلية تجزم على أن بداية القرن الـ 22 ستعرف نقصا حادا في الطاقة (البترول والغاز الطبيعي) وأزمات دولية حول الماء، و خطر إيكولوجي متصاعد وأزمات اقتصادية متواترة… ما يجعلنا نقول أن وصول الأنظمة إلى ما يطلق عليه في العلوم الطبيعة بالحد الأقصى من الأكسجين في الرئتين سيعجل من سقوطها في المحظور والانجراف إلى حرب عالمية لا محالة.

1/ السيد سامي السلامي أنت طالب باحث في العلاقات الدولية، نعرفك من خلال كتاباتك مهتما بالقضايا الراهنة والأحداث الأخيرة، ممكن أن تقول لك كلمة فيما يقع في العالم الآن؟

 

   أولا وقبل البدء في الاجابة عن أسئلتكم القيمة، أتوجه لكم بالشكر على هذه الاستضافة الطيبة وأتمنى لكم ولموقع القلم الأسود المزيد من العطاء والتوفيق. حينما نتحدث عن العلاقات الدولية فإننا نقصد بها ذلك الشق من العلاقات الاجتماعية التي تتجاوز حدود الدولة في إطارها المؤسساتي، سعيا للتعاون مع مختلف الفاعلين الدوليين تارة، وتكريسا لصراع المصالح المتقاطعة تارة أخرى. وبدراستنا للعالم المعاصر، نجد أنه مر من أربع محطات رئيسية:

ـ الحرب الباردة: امتازت بالصراع والتعاون المتقطعين بين المعسكرين الشرقي والغربي وميزتها حروب الوكالة، وانتهت مع انهيار الاتحاد السوفيتي

. ـ ما بعد الحرب الباردة: عرفت فرض الولايات المتحدة هيمنتها الأحادية على المجتمع الدولي مع استثمارها للشرعية الدولية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية

. ـ ما بعد أحداث 11 شتنبر 2001: شهدت إعلان الولايات المتحدة الأمريكية نفسها كوحيد للقرن الواحد والعشرين و إمبراطورية رومانية جديدة، عن طريق إتباعها لقانون القوة المتمثل في حروبها الوقائية، متجاوزة الشرعية الدولية التي استثمرتها في المرحلة السابقة .

ـ ما بعد الأزمة الاقتصادية لسنة 2007: ظهور فاعلين دوليين جدد لهم تأثير كبير في السياسة الدولية كدول البريكس، بموازاة مع تقهقر للغرب عامة، والولايات المتحدة خاصة، من على كرسي الزعامة كنتاج طبيعي للأزمة الاقتصادية الخانقة.

   وما الواقع الدولي الراهن، إلا نتيجة منطقية للتطور المستمر للمجتمع الدولي والصراع الدائم بين القوى الامبريالية على تقسيم الكعكة والخريطة الجيوسياسية في العالم طبقا لمصالحها، والتي تكون في غالب الأحوال على حساب دول الجنوب وشعوبها المضطهدة.

 

 

2/ نرى أن الثورات العربية – ودائما بين قوسين – قد وئدت في سوريا هذا البلد الجريح، ماذا يقع بنظرك هناك؟ هل هو فرصة الغرب الأخيرة لاحتواء الأمر وإعادة ترتيب الأوراق؟ وما دور روسيا فيها؟

 

   لقد خرجت الشعوب العربية إلى الشوارع والميادين، مطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية فيما أطلق عليه “بالربيع العربي”، لتجد نفسها أما الدمار والخراب، ما جعل بعضنا يتبنى نظرية المؤامرة، ليرد الآخر أنها ثورات شعبية، لكن ما هو أكيد، أن ما وقع إن لم يكن مؤامرة فهو في حده الأدنى ركوب على الحراك وتوجيهه فيما يخدم المصالح الصهيوأمريكية، رغم الصعوبة في وصف الحراك اللانمطي بالعفوي، لما اعتلته من شعارات وما عرفه من تدرج في استعمال الضغط والتصعيد.  ولم تخرج الحالة السورية عن هذا النطاق، إذ جاءت في سياق دولي متحول ترجمه التغير الجذري والاستراتيجي للولايات المتحدة نحو المحيط الهادي قصد الإحاطة بالتنين الصيني، ما حتم تفتيت وتقسيم الخارطة الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط على الشاكلة التي تجعلها بين أيدي ثلاث قوى إقليمية غير عربية هي: إسرائيل، إيران وتركيا، مع تحجيم القضية الفلسطينية، وجعلها آخر أولويات الأمة العربية، وفرض الشروط الاسرائيلية في مفاوضات السلام.

  وهنا استفاق الدب الروسي من سباته الشتوي، ليعلن مع الصين عن دعمها للنظام السوري، لما له من بعد استراتيجي لهما في المنطقة الأورواسية، وهو ما جعل الوصول إلى حل سياسي بسوريا رهينا بتوافق دولي بين القوى العظمى المتصارعة على الأرض السورية. وبغياب بديل مناسب للأسد يستطيع الحفاظ على مصالح القوى العظمى، ستبقى الحالة على ما هي عليه، مئات الآلاف من القتلى وملايين اللاجئين السوريين، لكن بمجرد التخلص من الجماعات الجهادية التي تهدد الأمن الاسرائيلي في حالة ارتدادها أثناء تقهقرها أمام النظام السوري، سيتم التفرغ بعد ذلك للأسد، وذلك عن طريق دعم المعارضة المسلحة بتسخين الجهة الجنوبية للبلاد.

 

3/ بلغت النزاعات في عدة بقاع العالم دروتها، تذكرنا ببوادر الحربين العالمية الأولى والثانية، هل نحن على عتبات الحرب العالمية الثالثة؟

 

   العالم الآن على صفيح ساخن، فلا يمكن أن يمر يوم علينا كمتتبعين إلا ونشهد نزاعات دولية وغير دولية، لكن الغريب في الأمر أن كل تلك النزاعات لا تخرج عن نطاق جغرافي محدد، فتتمركز غالبيتها في إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وبعض المناطق المتفرقة الأخرى، وهي بعيدة كل البعد عن المجال الجغرافي الغربي، وهو أمر نفهمه جيدا إن درسنا استراتيجية الغرب التي تجسدها أطروحة “صراع الحضارات” لصامويل هانتينغتون والتي في مجملها تنبني على أساس نقل الصراع بعد الحرب الباردة إلى مجالات بعيدة عن الغرب، وتقسيم العالم لستة حضارات متصارعة ، تتخللها نزاعات داخل الحضارة نفسها، وهو ما نشهده من تناحر بين السنة والشيعة بإيعاز غربي ماكر، فيما تم وضع إسرائيل في خانة الحضارة الغربية التي لن يتخللها أي صراع.

  لكن التحولات الأخيرة داخل المجتمع الدولي ـ بدء من الأزمة الاقتصادية العالمية 2007، مرورا بالتدخل العسكري الروسي في أوسيتيا الجنوبية سنة 2008، عبورا بالفيتو الروسي ـ الصيني في الأزمة السورية ووصولا إلى التدخل الروسي العسكري في شبه جزيرة القرم وانتزاعها من أوكرانيا رغم تهديات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ـ أعادتنا إلى سنوات الحرب الباردة، بل ذهب البعض إلى استشراف بوادر حرب عالمية ثالثة.  إن تجارب الحربين العالميتين بإفرازهما لقوى جديدة، وأفول نجم أخرى تقليدية، تجعلان تفكير القوى العظمى الدخول في أخرى ثالثة أمرا مستبعدا، فأسلحتها النووية الاستراتيجية كفيلة بحرق الأخضر قبل اليابس، ما يعني أن منطق التوافقات سيكون لغة المرحلة القادمة والتي ستعرف تحولا تدريجيا في طبيعة النظام الدولي من القطبية الأحادية نحو ثنائية قطبية، تمثل فيها الولايات المتحدة القطب الأول فيما يتشكل القطب الثاني من مجموعة من القوى تتمثل في دول البريكس، ومن ثم التحول على المدى البعيد نحو تعدد الأقطاب. إلا أن منطق التوافقات هذا لن يدوم إلى أبد الدهر، فكل التوقعات المستقبلية تجزم على أن بداية القرن الـ 22 ستعرف نقصا حادا في الطاقة (البترول والغاز الطبيعي) وأزمات دولية حول الماء، و خطر إيكولوجي متصاعد وأزمات اقتصادية متواترة… ما يجعلنا نقول أن وصول الأنظمة إلى ما يطلق عليه في العلوم الطبيعة بالحد الأقصى من الأكسجين في الرئتين سيعجل من سقوطها في المحظور والانجراف إلى حرب عالمية لا محالة.