أحمد المنصورالذهبي

فريق التحرير

x13468421671.jpg.pagespeed.ic.ttbgVWwSp1 

هو أبو العباس أحمد المنصور السعدي لقب بالذهبي  بعد غزو سونغاي لكثرة الذهب ، الذي جلبه  منها     ولد المنصور سنة 956 هـ بفاس أمه الحرة مسعودة بنت الشيخ أبي العباس أحمد بن عبد الله الوزكيتي ووالده السلطان محمد المهدي الشيخ ،طلب العلم منذ نعومة أظافره، ورحل في طلبه إلى مراكش و تارودانت وغيرها من مدن المغرب الأقصى

أخذ المنصور العلم عن كبار فقهاء ومشايخ عصره كأبي العباس بن علي المنجور وشقروان بن هبة الله الوهراني و أبي زكرياء يحيى السراج وموسى الروداني و غيرهم، وقد أخذ من علوم عصره بحظ وافر فبرع في الأدب و الشعر و الفقه  و المنطق و الرياضيات، وخلف مؤلفات نفسية منها كتابه “المعارف في كل ما تحتاج الخلائف” ومؤلفه في دراسة الحديث النبوي “نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ” كما كتب الشعر و برع فيه

اضطلع أحمد السعدي بأمور الحكم و السياسة منذ وقت مبكر فقد تولى إدارة شؤون فاس حين كان أخوه عبد الملك يقود حملته على ابن أخيه محمد المتوكل، وقد جد عبد الملك في طلب المتوكل حتى ألجأه إلى عبور البحر في  اتجاه إسبانيا ،و كان ذلك سببا في حدوث معركة الملوك الثلاثة التي طبقت شهرتها الآفاق…كانت معركة الملوك الثلاثة أو وادي المخازن من أبرز المعارك في التاريخ الإسلامي إذ كانت معركة فناء أو بقاء لكلا الطرفين، و قد تميزت الحقبة التي حدثت فيها المعركة بتنامي الأطماع الصليبية في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط و بتزايد حدة الاكتشافات الجغرافية التي حملت في طياتها رغبة جامحة نحو مد نفوذ أوروبا الصليبية على العالم أجمع، كما عرفت هذه الفترة أيضا صراعا ضاريا بين العثمانيين و الأوروبيين ، فلا عجب أن تدفع أوروبا بكل ما أوتيت من قوة في اتجاه احتلال المغرب و القضاء على جذوة المقاومة التي ما فتئت تنبعث من أراضيه تجاه المخططات الصليبية، وقد شكل لجوء المتوكل إلى “دون سيباستيان” مناسبة سانحة لاحتياج المغرب، فأطلق الفاتيكان نداء الحرب المقدسة و لبت أوروبا النداء فاجتمع للغزاة جيش مؤلف من ثلاثة آلاف ألماني و عشرين ألف إسباني و ثلاثة آلاف إيطالي و اثني عشر ألف برتغالي و بعث بابا روما بأربعة آلاف وغير هؤلاء خلق كثير من الحاقدين على المغرب العظيم و أهله ،و جاز الجيش الذي يتكون من نحو مائة وعشرين ألف مقاتل إلى عدوة المغرب و هنا حاول المتوكل استمالة ضعاف النفوس من المسلمين فراسلهم يعدهم و يمنيهم الأماني إن قبلوا نصرته، و يتوعدهم إن تخلفوا فكان مما راسل به بعض أعيان مراكش “ما استصرخت بالنصارى حتى عدمت النصرة من المسلمين و قد قال العلماء إنه يجوز للإنسان أن يستعين على من غصبه حقه بكل ما أمكنه” ثم راح يتهددهم” فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله و الرسول” وهنا ينهض علماء المغرب الأقصى بواجب الرد على المتوكل حتى لا يبقى هناك مجال لمتردد أو متأول في مسألة جواز الاستعانة بالمشرك على المسلم ومما جاء في ردهم الذي قامت به الحجة على خيانة المتوكل ” الحمد لله كما يجب لجلاله والصلاة و السلام على سيدنا محمد خير أبنائه ورسله، و الرضى عن آله و أصحابه الذين هجروا دين الكفر فما نصروه ولا استنصروا به حتى أسس الله دين الإسلام بشروط صحته ،و بعد فهذا جواب من كافة الشرفاء و العلماء و الصلحاء و الأجناد من أهل المغرب……. إلى أن  قالوا “قال عليه الصلاة والسلام “إني لا أستعين بمشرك” و بذلك أسقطوا حجة المتوكل ووقفوا سدا منيعا أمام الفتنة التي رام بها زعزعة صف المسلمين و لم يكن نصر  المغاربة على عدوهم في معركة وادي المخازن صدفة طارئة بل محصلة استعداد و تدبير محكم إذ أرسل السلطان عبد الملك إلى أخيه أحمد المنصور يطلب نجدته و أرسل إلى السلطان العثماني يستصرخه فأجابه و أمده بجنود مدربين و على رأسهم رضوان قائد المدفعية و الذي أبلى أحسن البلاء في المعركة ،و قد أحسن السلطان عبد الملك و أخوه أحمد المنصور اختيار مكان المعركة حيث أرسل عبد الملك إلى سباستيان يستفزه قائلا:” إني جئتك من مراكش ورحلت إليك ست عشرة مرحلة و أنت لم تدن  إلي مرحلة واحدة، فارتحل النصراني من تاهدارت و نزل على وادي المخازن…. وممن شارك في المعركة الشيخ أبو المحاسن الفاسي ،يستنفر الهمم تارة و يثبت المقاتلين أخرى و ينغمس بنفسه في صفوف العدو فيضرب بذلك أروع الأمثلة على ما يجب أن يكون عليه الداعية، و يلتقي الجمعان بوادي المخازن فتدور معركة غير متكافئة من حيث العدد و العدة لكن النصر فيها يحالف المغاربة المؤمنين، وكيف لا يكون ذلك وعلى رأسهم عبد الملك الذي أوهن المرض عظمه فلم يتداع إلى الراحة بل قاد المعركة بنفسه و تحمل عناء الإعداد لها غير أن  المنية  عاجلته فتكتم حاجبه القائد الطائع على الخبر و أسلم القيادة للمنصور الذهبي الذي تقدم بجنده و أعمل السيف في رقاب عدوه بعد تخريب قنطرة وادي المخازن فما منهم إلا قتيل أو أسير أو غريق، و قد أظفره الله بالمتوكل فسلخ جلده و أمر رجاله فطافوا به في مراكش ليكون عبرة لكل خائن وسمي لذلك بالمسلوخ.

كان لهذا النصر أعظم الأثر في  إيقاف الأطماع الصليبية ،فما هو إلا أن انتهت فصولها حتى توافدت الوفود الأوربية تترى على المنصور تهادنه و تسترضيه بالهدايا و في ذلك يقول الناصري صاحب الاستقصا،”و كانت الوفود من كل البلدان الأوروبية تصبح و تمسي على أعتاب قصور المنصور” كما انطلقت ألسنة الشعراء المغاربة تعبر عن فرحة الأمة بهذا النصر المؤزر و تؤرخ له بالكلام الموزون المقفى ،يقول الشاعر محمد بن علي الفشتالي:

ü      و جردت في ذات الإله صوارما             تصول بها و العاجزون نيام

ضربت بها التثليث للحتف ضربة                   فلم يبق بعد للصليب قيام

 

و أمطرت وبلا بالمخازن قطره      بموت الأعادي بندق وسهام

ويقول مؤرخ المنصور عبد العزيز الفشتالي:

                                                        أسرار وجدك من جفونك تعلم

ü    و لسان دمعك عن هواك مترجم

                                                     ولبوس باسك في المخازن يرتدي

ü    وسط المخازن بستيان الأشأم

وقد أسر المنصور من النصارى خلقا كثيرا فجعل ذووهم يفتدونهم إلى أن امتلأت خزائن الدولة و هنا يتدخل الفقيه الزاهد رضوان الجنوي فيلوم المنصور على قبوله المال في الأسرى”كيف يمشي هؤلاء الكفار كلهم إلى بلادهم ،وإخواننا المسلمون في غاية العذاب والإهانة ،ونحن قادرون على ألا يبقى واحد منهم في أيديهم وفداؤهم فرض علينا من بيت المال …وحصل في أيدي المسلمين رؤوس الكفر،إلا وهم يمشون لبلادهم بالشيء التافه الذي لا حاجة للإسلام به ويبقى إخواننا وأخواتنا بأيديهم فالله الله في فك الأسرى بقدر الجهد” و كان الأولى أن يفتدي أسرى المسلمين، ثم يراسله مرة أخرى يحثه على انتزاع كل بلاد المسلمين من أيدي النصارى لا يفرط في شبر منها “خذوا في ذلك بغاية جهدكم ولا تتراخوا عن ما ندبكم إليه المولى تبارك وتعالى (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ) فالله الله في الحزم وإمضاء العزم وهو ما ظهر لرعيتكم من انتهاز هذه الفرصة الممكنة في هذا الوقت من الحركة لمدائن الكفار التي هي طنجة وأصيلا وسبتة ، فإنهم في هذه الساعة في دهش وخزي وخذلان بما أمكن الله منهم ولا أظن – نصركم الله – مثل هذا يخفى عليكم حتى نحتاج أن نذكركم به وقد بلغني من بعض الناس ممن تخلف عن هذه الغزوة أنهم أصابهم أسف وحزن عظيم وحرقة وندم على ما فاتهم من الحضور معكم “وهو بذلك يمثل ضمير الأمة المتيقظ فلا حياة حقا  لأمة غفا ضميرها

عمل المنصور منذ بيعته بأرض المعركة  عام 986 هـ على وضع أسس دولته وتوطيد دعائم حكمه فنظم الإدارة و الجيش و أمن مسالك القوافل و تولى بنفسه قضاء المظالم وهو القضاء الذي يبث في خصومات رجال الدولة مع عوام الناس و قد اضطرب المؤرخون في حكمهم على المنصور فمن قائل أنه ظالم  متجبر لا يتورع عن سفك دماء خصومه إلى معدد لمناقبه مسهب في الحديث عن فضله و حسن تدبيره لشؤون رعيته، فصاحب كتاب “تاريخ الدولة السعدية التكمدارتية” يشنع على المنصور ويكيل له من التهم أبشعها، وليس غريبا أن  يقع مثل هذا الجدل عند الحديث عن واحد من عظماء التاريخ فكما كان للرجل أتباع كان لديه خصوم وأعداء ولا يبعد أن يكون المؤرخ من هذه الفئة أو تلك وأن يسلك في تأريخه مسلك الناقم الذي لا يرى لعدوه فضيلة أو يذهب فيه مذهب المتعصب الذي ينزه صاحبه عن كل نقيصة …وعين الرضى عن كل عيب كليلة   ولكن عين السخط تبدي المساويا

يقول السلاوي في وصف المنصور “نشأ المنصور في عفاف وصيانة وتعاط للعلم ومثافنة لأهله عليه،وكانت مخايل الخلافة لائحة عليه منذ نعومة أظافره”

وقد روى عنه الناصري أنه جعل الأربعاء للمشورة يلتقي فيه أصحاب مشورته لمذاكرة شؤون الرعية

وحكى أبو زيد في الفوائد أن محمدا خال المنصور عدا على رجل بدرعة في ضيعة له فشكاه للمنصور فقال له :كم تساوي ضيعتك ؟ قال:سبعمائة أوقية، قال:خذها وقل لخالي الموعد بيني وبينك الموقف الذي لا أكون أنا فيه سلطانا ولا أنت خال السلطان…فرجع إلى خاله وأخبره بما كان من المنصور فرد عليه ضيعته

وجاء في مناهل الصفا للفشتالي أن القاضي أبا القاسم الشاطبي ألزم الخليفة المنصور بأداء يمين الاستحقاق في بغل نازعه فيه فرد من الرعية فسلم المنصور البغل للمدعي دون اعتراض أو تردد بل إنه سر من حرص القاضي على العدل في حكمه ولو على الخليفة نفسه

وقد اهتم المنصور بالصناعة فأنشأ المعامل بفاس وتأنق في العمران والزخرفة ومن ذلك بناؤه للبديع الذي أعجز في تصميمه ووضعه من بعده من الملوك حتى كانت عظمته سببا في هدمه على عهد السلطان إسماعيل العلوي ومما قاله الشعراء في التغني بهذا القصر البديع الإسم والبناء:                        الحسن لفظ وهذا القصر معناه

                                                          ياما أميلح مرءاه و أبهاه

ü    فهو البديع الذي راقت بدائعه

                                                         وطابق اسم له فيه مسماه

ü    صرح أقيمت على التقوى قوائمه

                                                         ودل منه على التاريخ معناه

ü    ولاح أيضا وعين الحفظ تكلؤه

                                                       تاريخه من تمام قل هو الله

 

قرب المنصور أهل العلم والأدب وجعلهم خاصته فازدهرت بهم دولته واشرأبت إليها الأعناق حتى رأى فيها المشارقة خلاصهم من ظلم حكامهم ومن هؤلاء أبو القاسم الشاطبي الذي سفر للدولة السعدية عند السلطان مراد العثماني فأذاب ببلاغته جليد الخلاف بين السلطانين المنصور ومراد،وكان ما بينهما قد تفاقم إلى الحد الذي أرسل فيه  العثماني جيشا لمحاربة  المنصور

ومن بينهم الأديب الأريب النابغة الهوزالي شاعر السعديين الذي خلد في الورى أمجادهم وزاحم النابغة الذبياني في حسن النظم وإجادة المعاني والقاضي الحميدي والمؤرخ عبد العزيز الفشتالي صاحب “مناهل الصفا” (مؤلف يقدم معلومات غزيرة عن حياة المنصور) الذي قال فيه المنصور”نفتخر به على ملوك الأرض ونباري لسان الدين ابن الخطيب”

وكانت مجالسه مجالس علم وأدب فقد روى عنه الوافراني في نزهة الحادي أنه كان مرجعا للقضاة في كل ما أشكل عليهم من القضايا، جم الفوائد حسن المذاكرة ،حدث مرة أن خيم الحميدي بباب تارودانت فمر به رجل من البادية فوطئ على حبل من حبال خباء القاضي فصاح عليه الحميدي من هذه البقرة التي خوضت علي خيمتي فرد عليه الرجل :البقرة هو الذي لا يجيب عن هذه المسائل الستة و ألقى إليه قرطاسا مكتوبا،فيه هذه الأبيات:

ü     إلى علمك العالي مسائل ترتقي

   تيقظ لهن يا حميدي واصدق

ü     فما الحكم في الأوزاغ هل ساغ كلها

          وما الحكم في موتى المجانين فانطق

ü     وهل جاز للمسبوق بعد تشهد

          دعاه إذا رام إكمال ما بقي

ü     وما وزن “ليس لي حبيب واصله”

            وما جمع قلة لصاع فحقق

ü     وما وزنه شمر ولاتن واتنا

بجمع سواء والمقيد أطلق

ü     وبين لنا في أعوذ بربنا

من إبليس و التخميس في الكل فاتق

 

فتوقف الحميدي عن الجواب ورفع القضية للمنصور فاستغرب وقال هذا رجل من البادية فضح قاضي قضاة الحاضرة و أحالها على المنجور فأجابه في قصيدة نقتطف منها هذه الأبيات لطولها:

ü     جوابك في الأولى إباحة أكلها

                                                 لمذهبنا فاجزم بذاك وصدق         

ü     وجمعك صاع في القليل بأصوع

                                               و أصؤع بهمز الواو انهج ونمق

 

وكانت للمنصور مشاركات لطيفة رائقة في النظم، فقد قال يوما في وردة مقلوبة بين يدي محبوبته:

 

ü     ووردة شفعت لي عند مرتهني

                                                       راقت وقد سحرت بفاتر الحدق

ü     كأن خضرتها من فوق حمرتها

                                                        خال على خده من عنبر عبق

وقال أيضا :                          أيا روضة ضمت علي بزهرها

                                                        ولا يتلو ناظراي سواك

                                        أبيحي لنفسي من شذاك بقاءها

                                                        إذا فت طرفي عل أنفي يراك

 

 

اتجه السلطان المنصور كذلك إلى العناية بالجيش فشد بنيانه ونظم أركانه واقتفى في ذلك أثر العثمانيين وبنى دورا لصناعة السلاح فتكون لديه جيش قوي يحسب له ألف حساب

وقد تنامت رقعة الدولة في عهده بعد أن ضم إليه بلاد السودان ،وقوي اقتصادها وازدهر وعني بإنتاج السكر فأنشأ معاصر للسكر بمراكش و بلاد شفشاوة وحاجة ، حتى قايضه مع أوربا بالرخام فكان عهده من أزهى عهود المغرب وأكثرها نماء

وفي عام 1012 هـ وافته المنية بعد إصابته بوباء ضرب المغرب ما بين 1007 هـ إلى 1016م أفنى أكثر ساكنة المغرب وكان سببا في وفاة جمع من الأعيان ،و للمؤرخين روايات أخرى في وفاة المنصور فقد شاع أن ولده زيدان سمه بإشارة من أمه  لكن صاحب نزهة الحادي ضعف هذه الرواية ورجح أن يكون مات بالوباء، وقد دفن المنصور في قبور الأشراف بمراكش وبوفاته انتهى عهد السعديين الذهبي ليبدأ عصر الفرقة و الخلاف و الصراع على السلطان الذي أتى على بنيان الدولة السعدية وقوض أركانه.