حكم بالإعدام (القصة3)

سلمى الغزاوي

                                             

                                          (القصة الثالثة من المجموعة القصصية على ضفاف الأيام)       

 

                                      حكم بالإعدام

في ليلة باردة، تضيء أزقتها أعمدة الضوء المتراصة على جانب الطريق، نشبت مشادة كلامية بين رجلين سرعان ما تحولت إلى اشتباك بالأيدي، حاول من أعطي منهما بسطة في الجسم تفادي الآخر، لكن المخذول في قوته رآها إهانة، فأخرج سكين من الجيب الخلفي لسرواله، وباغت خصمه المنتشي من الخلف ليرديه قتيلا.

وبعد أن استفاق من هول الصدمة، أخذ يطوف حول الجثة دَهِشا ذاهلا، لا يعرف أنّى يولي وجه. وضع قدوم شاب في مقتبل العمر نهاية لحيرته بأن أطلق ساقيه للريح هاربا لا يعرف إلى أين.

كان الشاب قد خرج إلى صلاة الفجر، فقدر له أن يسلك ذلك الحي، وبينما هو يسير، إذ لمح تلك الجثة الممددة على الأرض، تقدم بخطى ثابتة، حاول أن يوقظ القتيل ظنا منه أنه مغما عليه، لكنه حين رأى الدم يسيل بغزارة من تحته، أيقن أنه فارق الحياة. اتصل بالشرطة التي أتت بسرعة إلى عين المكان، وبعد تفحص للجثة والمكان المحيط بها، بدأت الشكوك تدور حول فاعل الخير الشاب المسكين، فأخذوه إلى مركز الشرطة، للتحقيق معه، وأخذ أقواله.

أدخل عند وصوله إلى غرفة شبه مظلمة، ولج بعده المحقق المكلف بالقضية، وجلس على الكرسي المقابل للشاب، ثم واجهه سائلا:

– اسمع أريد منك أن تجيب عن أسئلتي بصراحة، دون لف أو دوران، فأنت كما يبدو شاب لطيف ولا أريد أن أستعمل معك طرقنا الخاصة، وإذا سهلت علينا مأموريتنا سنوليك عناية خاصة.

– حسنا يا سيدي اطرح علي من الأسئلة ما تريد.

– ماذا كنت تفعل ليلة أمس في ساحة الجريمة؟

– أديت صلاة الفجر وكنت عائدا إلى البيت.

– اشرح لي ما فعلت بالتفصيل.

– حسنا، توضأت وخرجت لصلاة الفجر فصادفت تلك الجثة في طريقي، حاولت المساعدة، ولكن …  كانت الروح قد أسلمت إلى بارئها.

– المسكين! مات بعد أن طعنته في ظهره.

– لا أقسم أني لم أفعلها!

– لقد وجدنا بصماتك على الجثة!

– هذا طبيعي، لأنني لمسته حين حاولت المساعدة.

– هل لديك شهود على هذا؟

– ولكن الله يشهد على أنني لم أرتكب هذا الجرم.

– لا تقلق، كلهم يقولون ذلك.

– ولكنني أقول الحقيقة!

– قل هذا الكلام للقاضي.

– ولكن

– اصمت!…  ولا كلمة، إلى زنزانتك فهي بانتظارك.

قادوا الشاب المسكين، إلى زنزانة مظلمة، والقيود في يديه، ثم جلس الأرض والبرد يجمد العظام، تأمل الجدران التي تآكلت بفعل قدمها، في تلك الأثناء، أدخل عليه شاب آخر، وحارس السجن يسبه ويدفعه بقوة حتى وقع أرضا على وجهه. استرجع قواه قام نافضا التراب عن ثيابه، واقترب من الشاب المسكين وقال له:

– تبدو شابا عليك علامات الصلاح، فما الذي أتى بك إلى هنا؟

– أتيت إلى هنا ظلما وإجحافا.

– كيف ؟ اشرح لي.

– ألصقت بي جريمة قتل، وأنا بريء منها.

– إن كنت بريئا كما تقول فستظهر براءتك عاجلا أم آجلا، بالمناسبة، ما إسمك؟

– اسمي عبد الله، وأنت؟

– أحمد.

– تشرفت بمعرفتك، وأنت، لم دخلت السجن؟

– أنا أيضا دخلت ظلما ولكنني فعلت أيضا ما أستحق العقاب لأجله، لقد دخلت إلى السجن بسب فتاة.

– كيف ذلك؟ ولم؟

– كنت أعرف فتاة منذ ثلاث سنوات، كانت علاقتنا طيبة، إلى أن أتى ذلك اليوم… طلبت مني أن أذهب إلى بيتها لأصلح لها التلفاز، ومن ثم … وقعت معها في الحرام.

– أستغفر الله…!

– أنا نادم حقا على ما أقدمت عليه، إن قلبي لا يحتمل عبء هذا الإثم، أسأل الله أن يغفر لي.

– لا تقلق يا صديقي إن الله غفار للذنوب.

– معك حق… بعد مدة، طلبت مني مبلغا من المال، فأعطيتها ولكن، كل مرة كانت تزيد المبلغ، فعجزت عن مجاراة رغباتها، فأخبرت الشرطة أنني اعتديت عليها جنسيا، رغم أنها هي من مكنتني من نفسها.

– ومتى ستحاكم؟

– لقد تمت محاكمتي، وحكم القاضي بخمس سنين.

في تلك الأثناء، دخل حارس السجن ومعه سلة محملة بكل أصناف الأكل، وملابس جديدة، وضع السلة:

– هذه السلة أرسلها لك شخص ما يا عبد الله.

– ألم يخبرك من يكون، أيكون والدي المسكين؟؟

– لا إنه أصغر من أن يكون والدك، لقد اكتفى بأن طلب مني إعطاءك السلة ثم رحل.

– حسنا شكرا لك.

فتح عبد الله السلة، ونظرات العجب والذهول، على محياه، ثم قال لأحمد:

– لا أحد غير والدي العجوز يعلم ببلواي، فمن أحضر لي هذا؟

– المهم أنه رزق جلبه الله لنا.

– معك حق تقدم وشاركني.

وتكرر الأمر في الأسبوع المقبل، فالأسبوع الذي تلاه، ثم الأسبوع الآخر.

لكن، قبل أيام معدودة من المحاكمة، أتى حارس السجن ليخبر عبد الله بنبإ ظهور براءته، وأنه قد أفرج عنه. بكى عبد الله فرحا بما حل به من فرج، فودع صديقه:

– أحمد لقد سررت بمعرفتك، سأذهب الآن وأعود في كل أسبوع لزيارتك، مع السلامة الآن، ولا تنس الدعاء.

– إلى اللقاء يا عبد الله، في حفظ الله ورعايته.

خرج عبد الله من السجن، وسأل الحارس:

– ما الذي حدث لتظهر براءتي؟

– أتى أحدهم واعترف بأنه القاتل.

– هل لي برؤيته؟

– بالطبع، تفضل معي.

قاد حارس السجن عبد الله نحو زنزانة مجاورة تأوي شابا عريض المنكبين مفتول العضلات:

– السلام عليكم  أنا عبد الله.

– كلنا عباد الله..

– أنا من رفعت عنه ظلما.

– ما الذي تريده مني؟ لم أتيت؟

– أريد أن أسألك سؤالا واحدا، هل أنت من كان يحضر لي الأكل والملابس؟

– أجل، أنا.

– ولماذا كنت تفعل ذلك؟

– ظننت بذلك أنني سأخفف إحساسي بالذنب، ولكن… 

– ولكن ماذا؟

– ثلاثة أسابيع من المعاناة، لم يغمض لي فيها جفن، ضميري لم يهدأ.

– ولكن اعترافك سيوصلك إلى حبل المشنقة!

– أفضل الموت على أن أظل طوال حياتي مؤنب الضمير.

خرج عبد الله إلى الشارع، وتنشق هواء الحرية، وفي ذهنه صدى آخر جملة قالها القاتل”أفضل الموت على أن أظل طوال حياتي مؤنب الضمير”.