الـــــــــــــدواء

سلمى الغزاوي

   السأم والتشاؤم والإحباط، مشاعر يحس بها أغلب البشر، بعضهم في بعض الأحيان- وهذا لابد منه- وبعضهم من تلازمه طوال حياته، ولا يعرف لم ؟ لم تسيطر عليه تلك الأحاسيس السلبية ؟
   كل ما يعرفه أنها تلقي عليه بظلاله، حين يبحث عن ذاته داخل ذاته… وينسى وجود كلمة ” الغير”…
   نشأت وسط عائلة ليست بالغنية، ولا بالفقيرة أيضا، كانت تعيش دون أهداف، دو أحباء، ودون أمل ! كانت كجذع شجرة فارغ، يدخل فيه الهواء، ليصدر صوتا أشبه بالأنين…
   كانت جامدة، باردة، معدمة الأحاسيس. اكتسبت اللاشخصية هذه من أب عصبي إلى أقصى الحدود، وأم غير مبالية بالمرة.
   كانت تأمل أن يأتي يوم تحضنها فيه أمها كغيرها من الفتيات، وأن تسألها عن مالذي تحس به؟ وما الذي تريده؟… كانت كمن يحلم بالصعود إلى الفضاء…
   كانت تحلم بأمنية مستحيلة ! أن تنزع تلك التاء المربوطة من كلمة “فتاة” ….هي فكرة خارجة عن المألوف والمعقول، لكن هي عزاءها الوحيد في لحظة جمود كل فكرة أخرى !
   تقضي معظم أوقاتها في غرفتها التي طليت جدرانها باللون الأسود… ولكن ما الذي كانت تفعله في غرفتها ؟ تقرأ كتابا ؟! تلعب لعبة ؟! تتبادل الرسائل مع الحبيب ؟! أبدا !
   هوايتها هي الجلوس على السرير، الذي كان غطاؤه باللون الرمادي، وضم ركبتيها إلى صدرها ووضع كفيها على خدها والحلم… الحلم ثم الحلم…
   كانت تعيش عالمها الصغير الجميل في نظرها… العالم الذي لا مكان فيه لأنت، أو هو أو هي أو أية ضمائر أخرى ! فقط الضمير ” أنا” وعالمي الخاص

   ذات يوم كان الأب جالسا في غرفة الجلوس، والأم منهمكة في المطبخ، إلى أن باغتهم صوت طرق الباب ! فتح الأب في عصبيته المعتادة، وهو يصرخ ” من بالباب؟ “
   صعق وتلعثم واصفر وجهه واستكان حين رأى وجها جميلا يقف وراء الباب. أدخله وأمر زوجته بتقديم الشاي والحلوى ! أطل الأب من النافذة وقال له سائلا:
– هل تلك سيارتك ؟
– نعم هي كذلك.
– إنها رائعة، وأظن أنها غالية الثمن كذلك !
– قليلا…الآن دعنا من السيارة، ولنتكلم في الأمر الذي جئت من أجله… أنا في الحقيقة أتيت بخصوص ابنتك الرائعة، أعجبتني بشدة، وأرغب في أن تكون شريكة لحياتي…
– ليست لي ابنة رائعة ! لدي واحدة، هي التعاسة بعينها ! يبدو أنك أخطأت في العنوان…تفضل سيدي ! 
– لا لم أخطئ في العنوان، وإذا رأيت ابنتك الآن سأؤكد كلامي…
ناداها الأب فدخلت غير آبهة بما يحدث ! ثم صرخ عليها أبوها أمام الضيف مرة أخرى:
– هيا انصرفي إلى غرفتك !
كان الخاطب مدهوشا أمام المعاملة التي تلقاها هاته الفتاة ! 
ثم انتهى اللقاء على خير، و توجه الأب إلى غرفة ابنته متوعدا إياها دون أدنى ذنب أو جريرة.
– يا فتاة ! انتبهي لتصرفاتك، وخاصة مع ضيوف أغنياء هل فهمت ؟!
– تصرفاتي ما هي الا تربية يديك !
– لولا أنني سعيد اليوم بالشاب الذي زارنا لأريتك كيف تتطاولين علي بلسانك !
– وما سر هاته السعادة ؟
– لقد أتى يطلب يدك للزواج….ودون أدنى كلمة ستتزوجينه !
– لا لن أفعل، فأنا حرة في قراراتي !
– لست حرة ما دمت أنا من يؤمن لك المأكل والملبس والمأوى….
– هيا قلها ولا تخجل ! قل أنك تريد أن تبيع ابنتك من أجل المال ! قل أنك تريد أن ترتاح من وجودي في هذا المنزل الذي لم أحس يوما فيه بأنه منزل ! أنتما…أنتما السبب في ما أنا عليه الآن !
رفع الأب يده عاليا وهوى بصفعة على خذها :
– اصمتي ! ستتزوجينة وكفى !

أخبر الأب الشاب بموافقة ابنته المزعومة، ثم اتجه إلى زوجته وهي تنصت وراء الباب:
– اسمعي، قولي لتلك التعيسة أن تحسن التصرف حين يأتي الأسبوع القادم لعقد القران… وإن أتت بأي تصرف أحمق، فسأعرف كيف أربيها !
خضعت واستكانت وتملكها الخوف من توعدات والدها فلم تأت بحركة…
بعد أن صارت زوجته مرغمة عن نفسها ! استأذن والديها في أن ترافقه في جولة…تقاعست الفتاة عن الذهاب، وتمنت أن تنغرس ساقاها في الأرض كأوتاد كيلا ترافقه !
وبنظرة من أبيها تحركت….ركبت معه في السيارة، ولم تنطق بكلمة طوال الطريق ! ثم ركن سيارته جانبا ونزلا عى جانب شاطئ البحر،كانت تسير بعيدة عنه غارقة في صمتها…
– هل تظنيني غبيا ؟
ردت بعصبية وبصوت مرتفع:
– أنت أدرى بنفسك !
ضحك ثم قال:
– لا، لست غبيا ! أعلم أنك لا تريدينني ولا تريدين الزواج من أصله !
توقفت عن السير ورمقته بنظرات غاضبة وهي تصرخ:
– بما أنك تعرف أنني لا أريدك، فلم لا تزال هنا ؟ لم تريد أن تحول حياتي أنت أيضا إلى جحيم ؟
– أرجوك اهدئي عزيزتي الناس ينظرون إلينا…سأشرح لك كل شيء فقط اهدئي !
– حسنا، هأنذا هدأت….
– أنا هنا لأنني وبكل بساطة أحببتك، كنت أراقبك منذ زمن، فأعجبتني شخصيتك الهادئة…أنت كذاك البحر حين يكتسيه الغروب في إحدى أيام الصيف الحارة، يخفي تحت هدوءه وجماله الأخاذ عمقا ليس له حدود… صدقيني أنني حين أتأمل عينيك أغرق في بحرهما إلى القاع !
– ما معنى كل هذا ؟ وكيف يعني أنك تحبني ؟ لم أفهم !
– أولا تعرفين معنى الحب ؟
– أبدا…
– أأنت إنسان أم ماذا ؟ معاملة والديك القاسية، صيرتك إلى ما أنت عليه !!
أنا سأنتشلك من كل هذا…أنت مريضة ! ولو فتحت فقط قلبك لي سأكون أنا الطبيب…فقط ثقي بي ! فهل أنت موافقة ؟
لفها بعض من الصمت والحيرة، ” فعلا، إنه متفهم…وسيساعدني…ومن يدري ؟ قد ” أحبه” !! “
– هيا عزيزتي هل توافقين على مد يديك لي ؟ لا تترددي !
نظرت إليه مطولا فابتسم لها ومد لها يده، فأمسكتها وقالت :
– أنا موافقة !

 …