النظام الإقليمي العربي و غياب المشروع الحضاري

سامي السلامي

slami_122658557

يشهد العالم العربي حالة خطيرة من التشتت و التشرذم، مع خضوع و تبعية للنظام الدولي بكل ضوابطه وموازينه، في ظل انعدام تام لمشروع حضاري و رؤية سياسية لدى صانعي القرار بالعواصم العربية للنهوض بنظام إقليمي عربي يجعل منه فاعلا يخضع للإطار الهيكلي العام (النظام الدولي) كما يؤثر فيه، ويخرجه من وحل و براثن التخبط الذي تعاني منه الجامعة العربية كإطار فرعي من فروع النظام الدولي.
حينما نتحدث عن النظام الدولي، فإننا نقصد به ذلك النمط من العلاقات الدولية المتداخلة و المتشابكة في إطار نسق دولي يخضع لعناصر ضابطة (القوة، المصالح، الصراع)، و موازين قوى تتحكم في تحديد طبيعته وتسهم في إفرازاته.
أما النظام الإقليمي فهو ذلك الهيكل الجزئي المتفرع من النظام الدولي و المتفاعل معه، و الذي يحاول ضبط منطقة ما بناء على اعتبارات جغرافية، لغوية و إثنية، دينية، سياسية أو عسكرية و اقتصادية.
و يشهد التاريخ الدولي المعاصر على حجم المؤامرات (كامبل بينرمان، سيسبيكو) التي خيطت و حيكت في موائد الدول الكبرى، قصد تفكيك و تفتيت العالم العربي و منعه من بناء نظام إقليمي قوي، لما له من بعد حيوي في تحديد معالم النظام الدولي أولا، و من تأثير على موازين القوى ثانيا.
و تجمع النظريات الجيوسياسية على أن النظام الإقليمي العربي يمثل المحور الاستراتيجي الثاني في العالم بعد أوروبا، و بالتالي فإن سياسات القوى العظمى في ضبط إيقاع النظام الدولي تنبني على ضبط هذين المحورين عن طريق إخضاع الأول و التعاون و الصراع مع الثاني.
و تتجلى الأهمية القصوى للنظام الإقليمي العربي في مقوماته الثابتة التالية:
ـ الاستراتيجية والجيوسياسية:
بموقعه الجغرافي الممتد من شرق أسيا إلى شمال إفريقيا و تحكمه في العديد من الممرات المائية الإستراتيجية ذات البعد المؤثر في التجارة البحرية العالمية و تجارة النفط (هرمز، باب المندب، جبل طارق، قناة السويس) و إطلاله على المحيط الأطلسي و البحر الأبيض المتوسط و المحيط الهندي و منطقة الخليج العربي… مع تشكيله حاجزا أمام أوروبا للعبور نحو آسيا و إفريقيا، تجعل من سيطرة الغرب عليه مسألة مهمة لمنع أي استقطاب لقوى دولية معادية ساعية للتغلغل منه صوبها.
ـ الاقتصادية:
بكل ما فيه من مقدرات طاقية و معادن ضرورية لحركية الاقتصاد العالمي، يمثل النظام الإقليمي العربي موقعا لأطماع القوى العظمى اعتبارا أن السيطرة عليه تعني السيطرة على العالم و تحديد طبيعة النظام الدولي، كما تشكل سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية عليه بعد حرب الخليج الثانية إستراتيجية عسكرية لاحتواء الغرب و اليابان آنذاك كقوى اقتصادية ساعية لتعدد الأقطاب و جعل اقتصادها رهينا بالولايات المتحدة كواضعة للنظام الدولي.
ـ الحضارية:
يمتاز النظام الاقليمي العربي بخاصية من المستحيل إيجادها في أي فرع من فروع النظام الدولي، ألا و هي التقارب بين كل أقطاره من الناحية الجغرافية، اللغوية، الاثنية، الدينية والحضارية، إضافة إلى تأثيره على باقي محيطه من دول و شعوب، و هو ما جعل مختلف الكتابات الغربية تحاول جاهدة طمس هذه الهوية الحضارية بإطلاق مسمى “الشرق الأوسط” كتوصيف للمجال الجغرافي للنظام الإقليمي العربي مع فصل دول شمال إفريقيا عن هذا المجال و ضم أخرى مختلفة عن المحيط العربي لجعل التفرقة صفة المنطقة، والتي تمثل فيها إسرائيل احتياطيا إستراتيجيا للغرب في مجابهة أي قوى عظمى معادية (روسيا الاتحادية، الصين) تعمل على استقطاب الأقطار العربية خارج السرب الغربي عامة و الأمريكي خاصة.
و من ثم فإن هامش المناورة و حرية الحركة للنظم الفرعية و التي يتيحها لها النظام الدولي، رهين بمدى قوتها و ديناميكيتها و صلابتها و تأقلمها مع التحولات الدولية، ما يجعلنا نقول أن النظام الإقليمي العربي مثله مثل أي نظام اجتماعي أو سياسي يرتبط نموه و انكماشه بالتجانس الايجابي و السلبي بين وظائفه الأربع: التكيف بين مختلف الأقطار في إطار ضوابط محددة، التكامل المبني على التعاون المتبادل والمصلحة المشتركة، حماية الأمن من أي تهديد و خطر، و تحقيق الأهداف الإستراتيجية.
إن أزمة النظام الإقليمي العربي تتمحور أساسا حول غياب المشروع الحضاري و الرؤية السياسية الواضحة لدى صانعي القرار في العواصم العربية، فبدل البحث عن أسباب التفرقة و التشتت ـ التي لا تخرج عن عمل استخباراتي صرف لوكالات المخابرات المركزية الغربية و تجانسها مع مصالح الأنظمة العربية الاستبدادية المتوجسة من أي ريح إصلاح بعيدة عن “الديموقراطية” بمعناها الأمريكي ـ يتوجب استغلال المقومات الإستراتيجية، الجيوسياسية، الاقتصادية و الحضارية الثابتة، مع إعادة بلورتها في إطار ضوابط تجعل الوحدة العربية الشاملة داخل نظام إقليمي عربي قوي مطلبا ملحا، و تمهد لدور فاعل داخل المنتظم الدولي.
 المصدر: www.samisoullami.com