رباعية جنيف: ميثاق نهاية القطبية الأحادية  

سامي السلامي

slami_122658557

  يبدو أن صقر البيت البيض السيد “باراك أوباما” يعاني منذ شهر مارس الماضي من فوبيا اسمها “فلادمير بوتين”، كان آخر أعراضها الخطاب الذي وجهه يوم الأربعاء 16 أبريل 2014، و الذي أعلن فيه أنه ليست من مصلحة روسيا الدخول في حرب مع الولايات المتحدة الأمريكية، مجددا سعي بلاده لتوسيع العقوبات الاقتصادية تجاه موسكو، و ذلك قبيل ساعات من اللقاء السنوي الثاني عشر للرئيس الروسي فلادمير بوتين.
و لم يتأخر الرد، ليعلن دب الكريملين “فلادمير بوتين” يومه الخميس 17 أبريل، أن روسيا لن تبني علاقات جيدة مع الغرب على حساب مصالحها الإستراتيجية و أن بلاده مستعدة لاتخاذ جميع التدابير اللازمة للحد من توسع الناتو شرقا، و أن لغة التهديد و الوعيد لن تنفع، خصوصا إذا علمنا أن الغرب في أشد الحاجة للغاز الروسي، و أن أي ضغط من الولايات المتحدة الأمريكية على السعودية للخفض من أسعار النفط سيؤثر عليهما معا و سيضر بمشروع النفط الصخري الأمريكي العالي التكلفة  كما سيؤثر على تداول الدولار الأمريكي كعملة مالية عالمية.
و لم تمضي سوى تسع ساعات عن اللقاء السنوي الثاني عشر لبوتين، ليصدر الاعلان الرباعي بين كل من روسيا، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي و أوكرانيا حول أزمة هذه الأخيرة، و الذي تضمن العديد من النقاط كخريطة طريق لحل الأزمة، نذكر أبرزها:
 ـ الاتفاق على حل الأزمة بين الأوكرانيين.
ـ تفعيل دور منظمة التعاون و الأمن في أوروبا في حل الأزمة.
ـ  العمل على تخفيف التوتر و إدخال رؤية الأقاليم الشرقية حول صياغة الدستور الجديد.
ـ نزع سلاح القوات المسلحة غير الشرعية في إشارة للقطاع اليميني المتطرف.
و من ثم، حينما نريد تحليل قوة أي فاعل على الساحة الدولية، فإننا نقارن بين تحركاته في شتى مراحل الصراع مع تحديد ماهية الصراع التي آل إليها في الأخير، و بنبشنا في الأزمة الروسية ـ الغربية حول أوكرانيا و التي تناولنها في مقالات سابقة، و وضعها في إطار ميثاق جنيف الرباعي السابق الذكر، نخرج بالنقاط التالية:
ـ روسيا وجهت صفعة قوية للغرب عامة و الولايات المتحدة خاصة، فهؤلاء عملوا على قلب النظام السياسي في أوكرانيا قصد التوغل فيها و وضع الدرع الصاروخي للناتو في خاصرة روسيا و من ثم السيطرة على منطقة البحر الأسود، ليصطدموا بقوة موسكو التي قلبت كل التكهنات، و انتزعت شبه جزيرة القرم الاستراتيجية، و فرضت على الغرب الجلوس معها على طاولة مستديرة للحوار حول مطالب الانفصال بالأقاليم الشرقية في أوكرانيا و أهمها محافظة دونيتسك.
ـ بإعلانه أن الأزمة الأوكرانية يجب أن تحل بين الأوكرانيين، يقر الغرب ضمنيا بروسيا كقوة عظمى يستحيل معها الحل العسكري و التدخل الغربي في أوكرانيا، و أن لغة التوافق فيما لا يمحو مصالح روسيا أصبح واقعا ملموسا.
ـ بتأكيده على إدخال رؤية الأقاليم الشرقية حول صياغة الدستور الجديد، يكون الغرب قد ارتكب خطأ تكتيكيا فادحا، من شأنه أن يجعل تلك الأقاليم تابعة وجدانيا و روحيا لروسيا و إداريا لأوكرانيا، إن علمنا أن رؤيتها تلك لن تخرج عن النظام الفدرالي الذي تدعو له روسيا.
ـ تدبير موسكو للأزمة الأوكرانية أكد مرة أخرى أن زمن القطبية الأحادية قد ولى، و أن الولايات المتحدة لم تعد تلك القوة التي يمكنها أن تضبط إيقاع العالم لوحدها فيما يخدم مصالحها القومية و أهدافها الاستراتيجية.
ـ الدبلوماسية الروسية عبر وزير خارجيتها “لافروف” و مندوبها في الأمم المتحدة “تشوركين”، أعطت دروسا في فن التفاوض للغرب، و أظهرت بالملموس مدى فشل إدارة الرئيس أوباما و وزير خارجيته “جون كيري” في تدبير الأزمة.
ـ ثبات مواقف موسكو الرسمية و عدم التردد في اتخاذ جميع التدابير التي تحد من توسع الناتو شرقا، خلط أوراق واشنطن و بعث لها رسالة واضحة المعالم مفادها، أن زمن استثمار الشرعية الدولية عن طريق مجلس الأمن (أمركة مجلس الأمن) و من ثم تجاوزها أصبح شيئا من الماضي.
ـ محافظة موسكو على علاقاتها الدبلوماسية مع دول تتقاطع معها في العديد من الأزمات كالسعودية (الأزمة السورية)، و استثمارها لتحالفاتها الذكية في إطار منظومتي شنغهاي و البريكس، جعل فرض أية عقوبات اقتصادية مضرة بالغرب أكثر منها بروسيا.
ـ إعلان روسيا عن استعداد نظامها المالي لعملية بيع الغاز و النفط للصين بالروبل الروسي، تصعيد ذكي منها ضد الولايات المتحدة من شأنه أن يؤثر على تداول الدولار الأمريكي كعملة مالية عالمية ما سينعكس على الاقتصاد الأمريكي لا محالة.
قلناها ونعيدها للمرة الألف إنها روسيا فلادمير بوتين يا أوباما، و ليست روسيا “غورباتشوف” المبهور والعاشق للغرب أو “بوريس يلتسين” السكير الخاضع للوبي الاقتصادي اليهودي، فلا الحرب النفسية و لا سياسة العقوبات ستجدي نفعا أمام الدب الروسي الطامح لشغل مكانته التاريخية كقوة دولية عظمى و ليس كقوة إقليمية كما تريد واشنطن.
هي الثنائية القطبية وضعت أوزارها رسميا مع ميثاق جنيف الرباعي، و مهدت لواقع دولي يميل لبرودة زمن ستالين و بريجنيف، ستكون فيها حروب الوكالة لغة الحوار السرية بين القطبين و ستشغل دول الجنوب موقعا لتفريغ تلك الصراعات.
المصدر www.samisoullami.com

تعليقات