شظايا المرأة

فريق التحرير


 

السابر لأغوار عوالم المرأة كالسمكة تهذي بان ليس للبحر عمق ،وأن خيوط المرجان المتشابكة هي ابعد ما يمكن الوصول إليه،انه التيه بعينه في مزالق وجودها،في غياهب أمواج بحر كاسحة ،فيغدو عالمها كأمواج البحر مائلة مميلة.

ليس من شك اليوم أن إشكالية المرأة أصبحت محورا رئيسيا في نقاش المجتمع،ولكن ليس لأنها فرضت وجودها عليه بل لأنها أثارت فيه فضولا ليتكلم عنها،ويتكلم باسمها،تارة يبني عليها مواقفه ومغالطاته،ليجد لديها الدعم والمساندة،وتارة استجابة لندائها،ولا يستعمل في دلك سوى أسلوبا واحدا يكون عن طريق ممارسة نوع من الخطاب البلاغي الذي يصل الى قلب المرأة أكثر منه الى عقلها ويخاطب فيها الجانب الوجداني أكثر من أي شيء آخر،لان هناك الكثير ممن لايزال لديه اعتقاد راسخ بان المرأة في عالمنا لاختزال لم تنفلت بعد من تحت قبضة القصور في التفكير وان أي كلام معسول حقها يجعلها تندفع بجموح لاعبة كل أوراقها دون احتياط  للمفاجآت،وهي حقيقة تتراءى لنا ونكتشفها إذا مانحن غصنا في عمق تفكير مجتمعنا،لايزال حضور المرأة في المخيلة المغربية والعالمية منحطا باهتا يعلوه الاصفرار والاستغراب، متذبذبا ،لا تحكمه أية خاصية،وحتى المرأة نفسها لايزال لديها الكثير من الضبابية والغموض في العرض المسرحي الذي تظهر فيه اليوم وهي مكلفة بلعب دورها في تحريك صيرورة التاريخ البشري ،وهي مكتفية باللقطات العابرة الثانوية،الثاوية خلف قناع  يصرالرجل على أن تلبسه قبل صعودها الى الخشبة.لايدرى ما الذي يجعل رجلا يجد نفسه مرغما في أحايين كثيرة على أن يخوض في شؤون المرأة يبدأ بكلمات اقل ما يمكن القول عنها أنها تدحرجت من على جبل شامخ وتدغدغت حتى انفصلت عن معناها فهي الان جوفاء فارغة،ثم تآكلت من لهيب الحر بعد صمود طويل،ومن الأقوال المتحدث بها والتي تعرضت للقهر هي أن رجلا ما أو امرأة ما،تكاد عينها تدمع،وتنفجر غضبا وحنقا،وهي تردد أو هو يردد،أن المرأة هي الأم و الأخت و الزوجة والابنة لكأن المرأة لا تقرا إلا داخل دولاب الأسرة وان الذي لا زوجة له او لا أخت وانتفاء شيء من هذا القبيل يجعلنا لا نحترم المرأة.صحيح قد لاتقرأ المعادلة من هذه الزاوية لكن كل قراءة تختزل المرأة وتضعف من قوة حجتها في الوجود وتضعها في زجاجة لتغلق عليها،ربما فيه نوع من الإساءة لها ولغيرها .

منحدر آخر تعرج فيه المرأة وهو رسالتها والإحداثيات التي تعتمدها لإيصالها.

ليست رسالة المرأة للمجتمع في ارتداء الملابس الزاهية المغرضة وفقط،حتى يجري ورائها الرجل ويسقط صريعا في حبها،فينقاد بعد أن تسحره بلباسها وميلانها في الشارع،فهذه الرسالة غالبا ما يلتقطها الرجل لقوة الإشعاعات الصادرة عن أنزيمات المرأة،فتجد نفسها في شرك الرجل بعدما وجد نفسه هو في شركها،فتصبح بذلك الكفة متعادلة،غابة،صيد بصيد وذبحة بذبحة،رصاص يقابله رصاص والبادئ أخطر والخاتم أمهر.

الرسالة الحقيقية التي ينبغي أن ترسلها اليوم حتى تفوح رائحتها في الشارع ويقبلها المجتمع هي الحضور البناء ،الذي يجعل المجتمع ينظر إليها كانسان يتلاقى مع إنسان آخر يأخذ نفس قيم ما صدقه ويختلف عنه في المفهوم.

تحضر المرأة  اليوم في كل المسارح شكلا أكثر من حضورها مضمونا،تحضر المرأة اليوم جسدا،إثارة،تحفة،أيقونة،رمزا للأزمة،فان أعجبها مثل هكذا حضور فلها الحق في ذلك،لن يريد أحد فرض الأسلوب الذي تعمل به المرأة على تحوير وجودها،تحضر المرأة اليوم بشكل حزين يجعلنا نخشى عليها،وكأنها تحمل هم العالم على أكتافها،فهل ذلك صحيح؟ولكن ما الذي يجعلها مبتسمة ضاحكة،لكأن العالم قد انحنى أمامها،وتهاوى تحت قدميها لبيك لبيك؟ألانها تفكر بالأشياء الحزينة،وإذا لم تجد ما يكفيها من الحزن بحثت عنه عند الآخرين؟بلغة” منيف”،فإذا ما التقى حزنها بحزن الآخرين كثر الهم فأضحك !؟

إن كل حركات الزمان وكل تقلبات  المكان ومرآة الوجود عكست في كثير من الأوقات استغلال المجتمع للمرأة،وعلى مرافئ عدة،أقلها التسويق التجاري،ورغم ذلك لا تزال المرأة تصر عبر أصقاع العالم على الحضور الشكلي فلم ترد تغيير مراسيم حضورها.

إن اللافت للنظر في القوانين التي تحكم عالم المرأة هو وجود ناموس كوني يعطي للمرأة قدرة للكلام أكثر من الرجل ،فقدرتها على إنتاج الكلام أكثر بضعفين أو أكثر  من إنتاج الرجل وهو قانون علمي أثبت أن أنه إذا كان الرجل ينتج ألف كلمة في اليوم فإن المرأة تنتج ضعف ذلك أو أكثر ،فماذا استفادت المرأة من هذا التفوق؟إن سألنا امرأة أو نساءا كثر لن يقلن لك شيئا،استهلكن كلامهن في بحر المهاترات،في قلب الحدث على رأسه وبداية ترصده بالمقلوب إلى حين،وتردد الكلمات لا جامع بينها إلا المرأة،في إنتاج لكلام غزير يقتحمه الحشو حتى يفقده معناه،ويمضغ كما تمضغ العلكة فيسيل الكلام لعابا من على فمها دون معنى ،دون هدف،دون وضوح،ولكن اجترارا لمأساتها التي تضخم منها، وتفرط في موارد مهمة بحوزتها قد تدفع الكيد عنها وتميط اللثام عن معاناتها،وحتى إن كانت النساء في بعض الأحيان يقلن كلمات كبيرة،يضل ما يقلنه مجرد كلمات، إن عدم الإنصات للذات الذي تمارسه المرأة في حق ذاتها،وقناعاتها الراسخة بأن جسدها الطري الذي توظف كل الإمكانيات للحفاظ عليه وتعتقد أنه قادر على أن يجعلها تتسلق أكتاف الرجل،وإيمانها الأعمى بأن جمالها سيسلط عليها رجل من فصيلة الجن تأمره و تطلب منه ما تشاء،لتجد كل ما تحتاجه تحت رجليها،يجعلها تعطل إمكانياتها التي قد تخرجها من تحت الوصاية،يجعلها تتقهقر أمام زحف رمال الرجل على ربيعها الزاهي،فتخضع تربتها لعملية تحريج قاسية تصبح فيها الحياة بالنسبة لها صعبة مملة مضجرة،لترغم في نهاية المطاف بعدما تجف مياهها وتنحسر وديانها على الاستنجاد بالرجل وطلب الاستعطاف،من أجل احتضانها في رماله القاحلة،فهل تستطيع أن تزهر في هذه الصحراء،تلك مشكلة المرأة فإن هي أحسنت تسيير نفسها ،هانت الأمور عليها؟وإن هي أخلصت لنفسها فإنها ما كانت لتكون كذلك،ولكنها كذلك ،كما هي فما العمل؟ماذا تقترح المرأة على نفسها؟وماذا تريد أن تكون؟ما هي النقطة التي يمكن أن تصل إليها في رحلتها الاستكشافية؟

المرأة أشكال وألوان،فهناك المرأة العالمة والمرأة الحالمة،المرأة الأمية والمرأة المثقفة،المرأة القروية والمرأة المدينية،المرأة الصغيرة السن المشدودة الجسد والمرأة الشيخة العجوز الطاعنة في السن،التي بدأت تيأس من الحياة وتدفع نفسها باتجاه معانقة الموت،المرأة المرأة العازية والمرأة المتزوجة،المرأة الشريفة مع نفسها وأهلها وزوجها ومجتمعها والمرأة الخائنة الراكبة جموح جنونها،المرأة الرزينة والمرأة المتهورة،المرأة الجميلة الرشيقة التي تلفت انتباه الرجل وتجعله يلبس طربوشه مقلوبا ناسيا خلفه كل أغراضه ليقف أمامها متلعثما يمطرها بكلام لا قبل لها به ولا يستحضره في عقله إلا أمامها،والمرأة الذميمة المقهورة المغلوبة على أمرها التي ينبذها الرجل ويشيح بوجهه عنها وكأنه رأى حسيفة وكثيرات منهن يضعن كما ضاعت نفيسة في رواية نجيب محفوظ،المرأة الملتزمة والمرأة العاهرة التي باعت جسدها بالتقسيط وتحول مع الزمن إلى عالم بلا خرائط غزته فلول العقاب من كل حدب وصوب وترهل وذاب بين وتحت قبضات وضربات رجال مكبوتين قذفوا فيها قذفهم فأضحت مزبلة متسخة نتنة رائحتها،فمات جسدها قبل الأوان وفقد مصداقيته،هناك المرأة الأم،والمرأة الأخت التي خرجت من صلب واحد مع أخ آخر او أخت أخرى،هناك المرأة الساذجة التي تصدق كلام أي رجل أتى إليها وتذهب معه إلى أي مكان حتى إلى آخر الدنيا،والمرأة المغرورة المعجبة زيادة بنفسها لأنانية مفرطة في كينونتها تعتقد واهية أن أميرا من اليمن السعيد سيأتي طالبا راغبا في يدها على صهوة جواد،فترفض كل عريس تقدم لخطبتها لتجد نفسها في الأخير عانس وقد بدأ جسدها ينهار أمامها فتضطر إلى التزوج من عجوز لتبرر به استمرارها،وتصاحب شابا تسير معه في الشارع افتخارا.

المرأة الساحرة،والمرأة المشعوذة التي تأخذ بيدها ضنا أوراق الرجل وتدعي إخضاعه لسلطتها تحت إكراهات الممارسات الابليسية،المرأة العصرية والمرأة التقليدية الكلاسيكية،المرأة الرياضية،والمرأة السينيمائية،تبقى امرأة واحدة نريد الإطراء والثناء عليها ومدحها وشكرها،وهذا لا يعني إبعاد الأخريات أو إقصائهن ولكن فقط لان المرأة التي نريد لها ذلك لايزال التهميش يطالها وكل أنواع الغبن والحرمان.إنها المرأة القروية،إنها التي اخترقت الجبل وهاجمت الغابة بوحشتها لتطعم أبنائها ووقفت مع الرجل كرجل،لا تزال بدون بطاقة وطنية كثيرات منهن،هناك منهن من لا يعرفن الفرق بين الإذاعة والتلفزة إنهن النساء اللائي كافحن في المغرب القديم والحديث،وقدمن كل ما لديهن من أجل بلدهن،فمنهن المكافحات والمناضلات بدون شروط،فقد كافحن ولكنهن لم يطلبن التعويض،إنهن المنسيات في أعالي الجبال الشامخة،في أقاصي المغرب الذي تلتقط فيه إحداثيات الإذاعة والتلفزة بصعوبة وكن إلى زمن قريب قبل وصول الكهرباء يحرمن من مشاهدة التلفاز وسماع الإذاعة وحتى التسوق لأن كل شيء ينقطع،هذه هي المرأة التي سهرت عيونها لينام أبنائها،وهي التي وضعن حجرا على بطنها جوعا ليشبع أبنائها خلال مغرب الجوع في الأربعينيات،وهي التي ما اغتسلت وبقيت متسخة لأن الماء قليل ولا يوجد إلا ما يستحم به أبنائها المتجهين إلى المدرسة لأن المعلم يأمرهم بالاغتسال ،وهي التي بقيت عارية في برد الشتاء القارس ليتغطى أبناءها فلذات أكبادها من قسوة الصقيع المتمرد في الجبل،إن امرأة الجبل جبل،إنها أبلغ صور التحدي،إنها المرأة التي كانت ولا تزال تقطع الكلمترات لتحصل على شربة ماء في منطقة يوجد فيها سبعون في المائة من الاحتياطي الوطني من المياه السطحية و تلك مفارقة أخرى.

تعليقات