دولة الحق والقانون

جواد البلدي

gawad

 

                      إذا كان الحق هو مجموع القواعد العقلية والأخلاقية المطابقة لقاعدة محكمة، أو ما تسمح القوانين بفعله كما يقول الفلاسفة، وإذا كانت الدولة هي مجموع المؤسسات القانونية والإدارية والعسكرية والسياسية التي تم تأسيسها بهدف تنظيم وتدبير شؤون الأفراد على أساس مجموعة من القوانين، باعتبارها نصوص تشريعية، فإن القانون العادل كما أقر الفلاسفة التعاقديون ورجال القانون وفلاسفة السياسة المحدثون، هو الذي يساوي بين الجميع والذي تكون غايته القصوى هي إحقاق العدل و منع الظلم والجور بكل أنواعه، والتأسيس لمجتمع تضمن فيه كرامة الأفراد، وتراعى فيه الحقوق وتقنن فيه الحريات، وذلك كتجسيد للارتقاء بإنسانية الإنسان عن مرتبة الحيوان التي تتميز بطابعها التوحشي والبهيمي، إلى مرتبة أرقى تؤطرها المبادئ والقواعد الأخلاقية الناتجة عن الطبيعة الإنسانية من جهة، وعن العقل باعتباره ملكة التمييز بين الخير والشر، وبين العدل والظلم، وبين السلوك الأخلاقي واللاأخلاقي … لذلك فالتلويح بشعار “دولة الحق والقانون” في الأفق دون معرفة الإطار المرجعي والسياق التاريخي لهذه المبادئ (الحق والقانون) يبقى ضربا من الجنون إن لم نقل ضربا من العبث، ورفع هذه الشعارات الفضفاضة الفارغة من / أو بعد إفراغها من محتواها يجسد السلوك التكالبي والاعتقاد الوهمي أو بالأحرى التعتيم الإيديولوجي لرافعيه. إذ لا وجود لدولة الحق في غياب تمتع المواطن بحقه، بل لا يصح الحديث عن مفهوم المواطنة أصلا ما لم تكن قوانين الدولة مراعية لهذا الحق، وغيره من الحقوق المدنية الأخرى، ولا وجود لدولة الحق في غياب عدالة اجتماعية وسياسية تساوي بين الأفراد في مسألة الخضوع للقوانين، وتنصفهم بناءا على كفاءاتهم ومؤهلاتهم الفكرية أو البدنية، وفي غياب الحق والواجب، ولا وجود لدولة الحق في غياب استقلالية القضاء، والفصل بين السلط، ولا مجال للحديث عن الحق في دولة تقيد حرية المواطن في التعبير عن رأيه والمشاركة في الشأن العام بتصوراته وأفكاره، كما أنه لا قيمة للقانون ما لم يكن يخدم الإرادة العامة كما يقول جون جاك روسو، ولا يمكن ضمان الحق أو العدالة أو حتى الحرية المقيدة بالقانون ما لم يكن هذا الأخير عادلا وما لم يكن سَنُّه ووضعه قد تم بهدف خدمة هذا الأخير.

                 فكيف إذن نتحدث عن دولة الحق والقانون في دولة لا تراعي مؤسساتها وإداراتها أبسط حقوق المواطن؟ وفي دولة يسودها العنف المادي وترتفع فيها نسبة الجريمة، وينهب فيها المال العام، ويقمع فيها صوت المظلوم وينتهك حقه في جميع المجالات بدءا بارتفاع القيمة الشرائية الصاروخي وانتهاءا بحرمانه من حق الحصول على وثيقة إدارية وهو أبسط حق؟ وكيف يستقيم الحديث عن الحق في مجتمع لا تتكافئ فيه الفرص بين المواطنين لا في مجال التعليم ولا في الصحة ولا في السكن؟ إن كان حقا بالإمكان الحديث عن هذه القطاعات التي تتميز بانعدام خدماتها واهتراء ورداءة جودتها، وهل دولة الحق والقانون هي تلك التي تفرض القانون على الضعيف وترفعه عن أصحاب المكانة الاجتماعية والسياسية؟ وهل يصح للمواطن أن يخضع لقانون لا يعرف مصدره ولم يشارك ولو حتى بالاقتراع في تشريعه وتسطيره؟