دوام الحال من المحال (القصة6)

سلمى الغزاوي

        (القصة السادسة من المجموعة القصصية على ضفاف الواقع) 

                                                              دوام الحال من المحال

 

أيام الفرح تمر كالبرق، فكأنها من قصرها ساعات، وأيام الحزن يدوم أساها فكأنها من الطول قرون.. بعضنا عاش طفولته سعيدا، وسط أم وأب، يرعيانه ويؤمنان له العيش الكريم، ومنا من انقضت طفولته كوابيس تطارد شبح ذكرياته، يتمنى لو يستطيع العود والأوب، ليحذف أو يضيف أشياء، أحداثا… قد تغير مجرى حياته، ولكن هيهات، هيهات، رفعت الأقلام، وجفت الصحف.

أشجـان، ذات الجمال الفتان، والضحكة التي لا تفارق شفتيها، طفلة تكاد ترى جمال الدنيا من خلال بريق أعينها، حين ترى بسمتها، تنجلي عنك أحزانك، بصوتها الحنون، تنسيك مآسيك، طيبة، عطوف كانت، أجمل من الورود الحمراء على المروج الخضراء، وأنقى من قطرات الندى على الوردة البيضاء، وأطهر من الماء العذب. لكن من كان يظن أن النكبات ستطمس هذه الروعة، وتخمد ذاك النور الساطع، وتأسر تلك الضحكات في زنزانة الأحزان، التي طليت جدرانها بطلاء المآسي، سيذهب كل شيء بموت والدها الحنون، لتغدو أشجان يتيمة الأب…

اختفى البريق من عينيها، وانجلت البسمة من على وجهها، ليحل محلها عبوس وانطواء. آلمها فراق والدها حين احتاجت إليه، اعتزلت الأحباب والأصحاب، لا تلعب مع أبناء الجيران، ولا تكلم أحدا، حتى أمها كانت تجيبها ببضع كلمات فحسب. أعــنت الحـداد، حدادا شمل كل متع الحياة، غير الدراسة التي كانت هاجسا بالنسبة إليها، لم تقصر فيها أبدا فرغم صغر سنها إلا أنها كانت واعية بمصلحتها. وعملا بوصية أبيها الذي كان دائما يقول لها:”أحب دائما أن أراك ناجحة في حياتك يا ابنتي.”.. كلمات كان يتردد صداها دوما في عقل أشجان، لذا وضعت النجاح هدفا نصب عينيها، أباها ذكرى في قلبها.. ثم أعلنت الحرب، أجل، حرب لها اضطرام، فما أصعب على اليتيم أن يشق طريقه في مجتمع لا يقدر حتى من لهم آباء!!… حرب احتاجت من أشجان أن تعد لها العدة، من سلاح ولوازم، فبدأت بالسلاح الأهم، وهو الجد والإجتهاد في الدراسة. استطاعت أشجان المضي قدما رغم قلة ذات اليد، كانت أمها تشتغل خادمة في البيوت لتؤمن لابنتها ما تحتاج، حتى لا تحس بالنقص، وما أعذب إحساس الأم، فكانت أم أشجان تنسى شقاءها وتعبها حين ترى ابنتها تستلم الجائزة الأولى للمتفوقين.

صـار الأمر على هذه الحال سنين عدة، الأم تعمل، وأشجان تدرس، حتى تفوقت في الثانوية، لتلتحق بالجامعة، لكن كل هذا لم يحرك ساكنا في قلب أشجان، فلم تتلمس ولا ذرة فرح من هذا كله، وكأن مشاعر السعادة والفرح فيها قد استؤصلت، لتنبت مكانها أحاسيس الحزن الجياشة، التي ما إن تستثار حتى يفيض الكأس بما يحتويه،…  وذاك ما قد حدث، فقد خرت أم أشجان مريضة ولم تعد تقوى على العمل، فقد أشار الطبيب على أشجان ألا تدع أمها تقوم بأي عمل مجهد وإلا ازدادت حالتها سوءا، فالمرأة قد كبرت في السن، تحتاج من يعيلها لا أن تعيل…

اضطرت أشجان النزول إلى العمل لتعيل دراستها وإلا لن تستطيع الاستمرار، كانت تعمل في أحد المطاعم بعد فراغها من الدراسة. صارت تعود إلى البيت مع  حلول الظلام. كان البيت الذي تعيش فيه الفتاة مع أمها يحوي في طياته الذكريات المؤلمة والحزيـنة، فكلما وضعت رأسها على الوسادة، يدخل ضوء القمر من النافذة الضيقة، التي تقع مباشرة فوق رأسها، فينعكس على الجدار المتآكل، لتمر صور ذكرياتها وكأنها فيلم درامي حزين، فيطير النوم من عينيها.

ازدادت حالة أشجان سوءا يوما بعد يوم، لكنها لم تملك من أمرها إلا التوجه إلى الباري الذي يكشف البلوى ويغير من حال إلى حال.

ذات ليلة، بعد أن عادت متأخرة من العمل، سلكت الشارع الرئيسي المؤدي إلى الحي الشعبي الضيقة أحياؤه الذي تسكنه، فأبصرها ذئب من الذئاب الضالــة، تحسس سكينه الموجود في جيبه، واتجه نحوها بخطى سريعة لينقض عليها من حيث لا تدري، واضعا السكين خلف عنقها، فصار يهددها طالبا منها مرافقته. كانت أشجان ترتعد خوفا، في تـلك الظلمة، في ذلك الليل، من ينقذها؟ لكن الله سبحانه، لا يضيع أجر من أحسن عملا، فبرها بوالدتها شفع لها عند الله، ليبعث لها شابا ينقذها من ذلك الذئب البشري. بعد أن هرب، أحست أشجان بثقل في قدميها من شدة خوفها تلك الليلة، فخرت ساقطة على الأرض، حملها الشاب، وأركبها سيارته وأوصلها إلى منزلها دون أن يتفوه بكلمة، سوى “هذا واجبي”. بعد أن شكرته، دخلت إلى المنزل، رأت أمها شحوب وجهها فسألتها:

– ما بك؟ هل أصابك مكروه؟

– لا يا أماه، مجرد تعب بسيط، لا تقلقي.

– لن أسامح نفسي إن أصابك شيء يا ابنتي.

– لا تقولي هذا الكلام يا أماه، لن يصيبني أي مكروه بإذن الله.

– أسأل الله أن ينور طريقك وأن يجازيك على تعبك.

– آمين… والآن خذي الدواء، واخلدي إلى النوم، فقد تأخر الوقت.

بعد أن نامت الأم، واستلقت أشجان على الفراش، دخل ضوء القمر هذه المرة أيضا، لكن ليس لمشاهدة الذكريات الأليمة، بل ليرسم صورة لذلك الشاب الذي أنقذها، كـــانت المرة الأولـى التي تفكر فيها في رجل غير أبيها.

انقضى ذلك اليوم، ثم العام، فالعام الذي يليه، لتتخرج من الجامعة بشهادة في العلوم الاقتصادية. قدمت طلب عمل لإحدى الشركات التي تهتم بالعمران، ليأتيها الرد بالقبول في ظرف وجيز. تم قبولها كموظفة بأجر مرتفع، إضافة إلى منحها شقة بنصف ثمنها، مع الدفع بالتقسيط. تبـدلـت حياتها بالكامل، واستطاعت أشجان أن تؤمن لأمها أفضل طبيب في المدينة تحسنت بفضله حالتها.

في أحد الأيام طلب مدير الشركة، أن يرى هذا الموظف الجديد فكفاءته وعمله المتقن قد بهراه، دخلت عليه أشجان وعلامة التعجب على وجه كليهما، فمدير الشركة هو الشاب الذي أنقذها تلك الليلة، تقدمت فطلب منها الجلوس قائلا:

– مرحبا بك، أنت إذا الموظفة التي بهرتني كفاءتها.

– أجل يا سيدي، أنا هي.

– أي نعم، أؤمن بالصدف ولكنها أحلى صدفة في حياتي.

– ما الذي تقصده يا سيدي؟

– أتدرين أنه خلال هذه السنوات، سخرت كل جهودي للبحث عنك، لأنني وبصراحة لم أستطع نسيانك…  ولكن رب صدفة خير من ألف ميعاد.

هزت أشجان رأسها بالإيجاب، وعلت وجهها ابتسامة عريضة ممزوجة ببعض من الحياء، ابتسامة تظهر أول مرة على محياها بعد وفاة والدها لتكون علامة على بداية انجلاء الأحزان واندثار أشجان أشجان فتعود  كما كانت في صباها يوما ما.