التهميش من التاريخ..

يوسف بخوتة

46486_443847009001471_224420946_n 

التهميش من التاريخ..

المنطقة الشمالية، أو ما يسمى بالريف. والريف في جميع المجتمعات تعني القرى والبوادي والمناطق النائية وما وراء التحضر. وهذه المنطقة لابد وأن يرتبط اسمها  بالتهميش. هذا الأخير الذي استفحل في المنطقة الشمالية أشد استفحالا حتى أصبح من الصعب الخروج منه والسير قدما نحو التنمية. هذا الشعار الرنان الذي يدق الآن آذان كل مواطن في انتظار فرج لعله يكون قريب, وفي هذه المنطقة لابد أن نجد مرنيسة  القبيلة  المنسية في الجغرافيا والتاريخ..ترى لماذا همشت المنطقة الشمالية؟
لنطرح السؤال هكذا- لا تفاصيل- ولنعد بالعجلة شيئا إلى الوراء.إلى مغرب مابعد الإستقلال  وما قبله. وهنا لا بد أن نرجع إلى دراسة قام بها مصطفى أعراب في كتابه “الريف: بين القصر, جيش التحرير وحزب الإستقلال ” في فصله الخامس.السياسة الإقتصادية في الشمال بعد سنة1959 وبتصرف طبعا.
بالحديت عن المنطقة الشمالية أو الريفية لابد ندرج مرنيسة ضمنها .ولا يمكننا أن نتكلم عن مرنيسة في غنى عن المنطقة الشمالية نظرا لارتباطها الواضح سواء كان تاريخيا أو جغرافيا, رغم كل المزاعم التي تريد أن تفصلها عن الشمال لارتباطه بالريف حيث تم فصلها أكثر من مرة حين كانت نقطة التقاء بين المستعمر الفرنسي الإسباني سنتي 1924-1925, وفي سنة 1959حين كانت أول جماعة محلية بالمغرب بعد إنتفاضة الريف 1958-1959 نظرا لما كانت تقدمه مرنيسة من دعم لإخوانهم الريفيين خلال الحرب, رغم معظم المراجع التاريخية تتنكر لهذا الدور وجعل مرنيسة رمز الخيانة والتمركز الفرنسي وكذا الخضوع والخنوع.لكن هناك فعلا تضحيات – حسب العديد من المراجع والكتب والمذكرات- فالكثير من أبناء المنطقة شاركوا بشكل أو بآخر في تحرير البلاد من الاستعمار وأزلامه. وبفعل تأجج نار الصراع في الريف إبان الاستقلال وما لاحق الريفيين من تهميش في تمثيل أنفسهم في حكومة المغرب الأولى , عرفت المنطقة انتفاضة شعبية 1958-1959  عرفت بدورها إنفلاتات أمنية. والخط الساخن الذي كان يربط تازة  والحسيمة وفاس مركز القرار يمر من مرنيسة. ورغم ذلك تم فصلها عن الريف لخدمة سياسة ما. فهي نقطة التقاء الحدود-تجاوزا- بين تازة الريفية والحسيمة الريفية تاونات الناطقة رغما عنها بالعربية وأن معظم سكان القبيلة نازحين من الريف في نهاية القرن19. هذه مجرد نبذة تاريخية مختصرة جدا كان لابد لي أن أدرجها لنفهم الترابط الحاصل بين مرنيسة والمنطقة الشمالية المسماة بالريف.
المنطقة الشمالية عرفت في ما قبل الحماية بالمنطقة الخليفية حيث كان خليفة السلطان -السلطة المركزية أو المخزن بالمفهوم العامي- يتولى تسييرالشؤون  بالمنطقة, ولم تكن العلاقة جيدة بين الطرفين على مر التاريخ مما كان ينتج عنه صراعات وعصيان. ويعرف هذا محليا بعصر السيبة
وبما أن العلاقة بين الشمال والسلطة المركزية لم تكن جيدة ,ولم تكن  هذه الأخيرة في المستوى لتنجح فيه الدولة بالاهتمام بالمنطقة. وكل ما كان بين الريف والمخزن هوالعنف المتبادل إلى حدود1899. ولاعادة المنطقة إلى بيت الطاعة تم استغلال قضية القرصنة التي كانت تتعرض لها السفن الأوروبية في البحر المتوسط , لجأ المخزن الى غزو قبيلة “بقيوة” لردع المنطقة بأكملها(انظر الكتاب السالف الذكر)
وبما أن المنطقة لم تكن في طاعة السلطة المركزية قبل الحماية ، وفي ظل الحماية خضعت معظم المناطق الشمالية إلى الاحتلال الإسباني إلا “مرنيسة” كانت حالة خاصة أي نقطة النقاء بين المستعمر الفرنسي والإسباني،  وبين أن إسبانيا لم تكن تهتم بتهيء البلاد لاستغلالها وكانت تعتمد على استنزاف ما بباطن الأرض من معادن كان العكس في” المنطقة الفرنسية” ، حيث كانت تعمل على  استصلاح الأراضي للزراعة وبناء الطرق لنقل البضائع فقد استفادت “مرنيسة” من هنا حيث شيدت الطريق الرئيسية سنة 1923 وغرست الأراضي بمزروعات يلائم تضاريس مناخ منطقة  مرنيسة. لكن المنطقة الإسبانية ظلت كما وجدتها إسبانيا في بداية القرن 20 ، لكن هذه الإنجازات التي قامت بها فرنسا في منطقة مرنيسة كانت لا تخدم المنطقة كمنطقة لكن لخدمة معامل فرنسا وتوسعها العسكري  حيث عملت على غرس شجر كرم( الدالية) والأرز والصنوبر لاستغلالها. ولتسهيل هذا قامت ببناء الطرق ، والطرق ليس لها بعد اقتصادي فقط بل عسكري أيضا. حيث بنت فرنسا 3 ثكنات عسكرية في المنطقة ,الأولى في مركز” طهر السوق” والثانية في موقع “مولاي علي”(الشرفة)  والثالثة في غابة التاوفة (تيزاغت)، وهذا كله لمراقبة تحركات الوطنيين والمقاومين وحركة بن عبد الكريم الخطابي المزعجة ، هذا في فترة الاستعمار ، أما ما بعد الاستقلال ، فقد استفحل الأمر كثيرا وتضرر المواطنون أكثر فأكثر من جراء سياسة الإدماج القسري التعسفية التي نهجتها السلطة المركزية إزاء المنطقة ، فبغياب المصانع واعتماد المنطقة على الفلاحة رغم وعورة التضاريس والجفاف المستمر وغياب الزراعات البديلة ، اضطر المواطنون للهروب إلى المدن والارتماء في مصانع البورجوازية الفاسية بمساعدة الدولة(الكتاب السابق)، واستغلالهم في مصانعهم دون مراعاة لا حقوق وخصوصيات وأعراف المنطقة في العمل، وبعدم وجود الصناعة التقليدية في المنطقة إلا بعض الأدوات البسيطة أغرقت الأسواق المحلية بالسلع الآتية من المدينة ، وبفعل هذا بدأت تنشط عملية التهريب من المحتلتين “سبتة ومليلية” وتعززت عندما حاولت الدولة محاصرتها إرضاء للفاسيين، هذا من جهة ومن جهة أخرى نجد الفلاحة المورد الرئيسي للمنطقة ، إذ نجدها تعتمد إلى حد اليوم على أدوات تقليدية جدا ، فالمحراث الخشبي اكتشف قبل الميلاد ولا زال يستعمل إلى حد الآن ، وهنا نسجل أن المنطقة لا زالت كما تركتها فرنسا في خمسينيات القرن الماضي أو بالأحرى تراجعها ، حيث نلاحظ تراجع في نسبة المغروسات التي ارتأت فرنسا أن تغرسها في جبال مرنيسة كالدالية وشجرة الكرموس(التين) والأرز.و للتنمية لازم من وسائل تساعد على توسعها هذه الوسائل تتمثل في البنية التحتية التي نلاحظ تراجعا مهولا فيها رغم أنها تعود إلى فترة الاستعمار، فالطريق الرئيسية شيدت سنة 1923 لا زالت إلى اليوم المسلك الوحيد إلى المنطقة في حين تم قطع الخط الرابط بين “مرنيسة” و”تازة “عبر” بورد” الذي كان في السبعينات خطا أساسيا للمنطقة في التحرك ، والخط الرابط بين مرنيسة وتاونات يعاني ويلات الضياع والتلف ونقطة سوداء في جبين المنطقة ، في حين تم ربط خط جديد بين مرنيسة والحسيمة عبر جبال” تامشاشت” و”بني بشير” هو عبارة عن مسلك وليس طريق لأن قدرته على التحمل لا تتجاوز شاحنات النقل الصغير ، ونلاحظ غياب تام للمسالك القروية المعبدة .
هذا بالنسبة للطرق ،أما بالنسبة للمؤسسات وهنا الطامة الكبرى ، فكل البنايات تحتوي على (القرمود) على أسطحها وهذا يحيلنا على فترة الإستعمار، أي أن جل البنايات هي من مخلفات فرنسا ، المدرسة الإبتدائية  البلدية (مستشفى فرنسي) القيادة (مكتب الديوانة) الدرك ، المحكمة , “الفلاحة”  وبعض السكن الإداري  كل هذا من مخلفات فرنسا ، لم ينجز المغرب المستقل في هذه المنطقة إلا القليل.
فلتنمية منطقة ما لابد أن تتوفر على مرتكزات تسهل عملية التنمية  شيئا ما لكن بانعدام هذه المرتكزات تظل التنمية مؤجلة إلى حين .
في إطار الوعود التي أعطتها الحكومة أنذاك للشماليين بتنمية موعودة وقريبة ، زار السلطان محمد الخامس المنطقة الشمالية وخطب في أجدير سنة 1959 أكد إرادة الدولة تحقيق الإزدهار في هذه المناطق التي يجب أن تكون مندمجة في الأمة المغربية ، وأعترف بوجود أو اعترف ضمنيا بوجود فوارق اقتصادية قائمة بين المنطقتين ، مما ضاعف من عضب واستياء الشماليين بعدما ذكر محمد الخامس بأن هناك أموال خصصت للأستثمار في المغرب الشمالي , لكن مات الملك بعد سنتين ومات معه الوعد ، وبقيت التنمية مؤجلة كما يقول مصطفى أعراب.
بفعل غياب تنمية حقيقية في المنطقة اعتمدت المنطقة كما كان في السابق على القطاع الفلاحي ، وحتى الفلاحة لم تجد من يقف بجانبها ، رغم الأولوية التي يعطيها المغرب لها باعتباره بلد فلاحي مع أننا لم نحقق يوما اكتفاءنا الذاتي من القمح ولا زالنا نستورده من أمريكا .
المغرب لم يكن بوسعه أن يكون غير بلد فلاحي لأن الفرنسيين تركوا بنية تحتية مهمة في المغرب النافع  لكن في المنطقة الشمالية أو المغرب غير النافع لم يتركوا لنا شيء ، حتى الإسبانيين لم تكن تهمهم الفلاحة لأنها منطقة وعرة تضاريسيا ومناخيا  ولا تتوفر على تقنيات السقي لتقوم بزراعات بديلة .
ومع بزوغ فجر الاستقلال المزعوم ، حاولت الحكومة ابتداء من سنة 1953.تصدير الفلاحة إلى الشمال لكنها فشلت ، لأنها لم تستند إلى دراسة تراعي خصوصيات المنطقة واستثمارها بطرق مناسبة حيث كانوا يطبقون ما كانوا ينجزوه في سهول المغرب النافع على جبال المغرب غير النافع ، وهذا بفعل فشل كل المخططات لتصدير الفلاحة إلى الشمال وبغياب سياسة بناء السدود واستصلاح الأراضي ظهرت لنا زراعة محرمة وممنوعة ألا وهي زراعة (الكيف) مما ترتب عنه اختلال في ميزان النفوذ واختلال في توازن الطبيعة جراء قطع الأشجار واستغلال الغابات في زراعة هذه النبتة ، ومن هنا بدأ الشمال ينمي نفسه بنفسه وخاصة في مجال العقار .
العقار هذا أيضا ظل جامدا في مرنيسة إلى حد يدعو للقلق فمرنيسة التي وجدت في نهاية القرن 19 لا زالت كما تركها المستعمر في خمسينيات القرن الماضي ، فجل المباني والبنية التحتية والمؤسساتية تعود إلى الفترة الإستعمارية ن والتوسع العمراني ظل منعدما ، فالبعض يفسره بموقع المركز الموجود بين نهرين وهو معرض دائما للفيضان وهناك من يفسره بهجرة السكان من جراء التهميش والبحث عن موطئ قدم يرى فيه ابناءه مستقبل زاهر والبعض الآخر يفسره بتعنت رئيس سابق للجماعة في ثمانينيات القرن 20 بعدم إعطاء تراخيص البناء ، مما أنتج لنا مدنية بطابع تاريخي وبطعم المرارة ووصمة العار ، يسكنها الأشباح ، والمشكل في هذا هو غياب سياسة عمرانية تشجع على الإستقرار بالمنطقة.
أما فيما يخص القرى والبوادي المشكلة لهذه المنطقة فلا زالت تحافظ على منازلها القديمة مع غياب توسع عمراني جديد إلا في بعض المراكز ك”واد القصبة” و”تمضيت” “سيدي عبد الرحمان” ولكن بشكل محتشم للغاية .
كل هذا ساهم  في ظهور ظاهرة الهجرة بالمنطقة سواء الداخلية أو الخارجية ، وبما أن ظاهرة الهجرة ليست جديدة بالمنطقة ، فكانت لا بد أن تكون المنقذ الوحيد في هذه المنطقة ن فالهجرة بدأت في الشمال في أواسط القرن 19 حين كانوا يهاجرون إلى الجزائر للعمل في ضيعات المعمرين الفرنسيين هناك ، ولتأخذ الهجرة بعد داخلي في بداية عصر الإستقلال ، لتتحول إلى خارجي وهذه المرة إلى الضفة الأخرى ، فرنسا ، بلجيكا، هولاندا ، ألمانيا ، ثم إسبانيا ، فبعد أحداث 1958-1959 ومن بين الحلول التي ارتأت الدولة فعلها هي تسهيل الهجرة إلى الضفة الأخرى لتخفيف الضغط عليها وأخذت بعدما كانت هجرة اقتصادية في النصف الأول من القرن 20 بعدا سياسيا في النصف الثاني من هذا القرن.
بهذا عرفت المنطقة الشمالية تنمية ذاتية بعائدات هذه العائلات المهاجرة ، إذ يستحيل أن تجد عائلة دون ابن أو أخ أو زوج في أوربا ن وكل هذا خارج عن نطاق مرنيسة  هذه البلدة المنسية في الجغرافيا والتاريخ وتتقاذفها التقسيمات الجهوية فمرة في قلب تازة ومرة في هامش الحسيمة والآن في ذيل فاس ومكناس والحاجب . ترى أية علاقة في هذا الفصل القسري .
لكل هذه الأسباب ظلت منطقة مرنيسة على ما هي عليه الآن وأظنها ستبقى هكذا ، فلا فرنسا نفعت ولا مغرب الإستقلال ولا مشروع الديرو والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية ، ولا الزيارة الملكية ، مادام يحكمها أذناب الإستعمار .

تعليقات