الارض التي اغني فيها اناشيد الله ـ 5ــ

جواد الكبيبة

 

بطاقة الهوية…

بين السهول والوديان والأراضي القاحلة أنساب وراء المعنى, أنساق مع جنون الكلمة لعلني أجد الحروف المبتورة لكي يكتمل المعنى و تنتهي الحكاية …

في بعض الأحيان أتساءل لماذا لا أخرج من ذاتي وأجعل من الناس سندا لي في مهمة البحث هذه، لكن بمجدر ما التجا اليهم يحصل الامر على نفس المنوال السابق فأنا اعتقد ان الانسان تغير مع مرور الزمن لكن الانسان صنم يبق هو هو، ما ان اعرض لهم قصتي حتى يبدا الكل بالضحك فاجد نفسي بمثابة مهرج يقول كلاما لا يعرفه أحد..يسخر مني الكل معتقدين انني جننت، وعندما اكشف لهم عن نوع جنوني واقول بصوت مرتفع:

ــ هذا ليس جنون ..بل جنون الكلمة.

رغم ذلك لا احد يصدق الامر، فخناك من يستهزء وهناك من يشفق وهناك من لا راي له، تلك هي سنة الحياة..الاختلاف، بل ذلك هو مسرح الحياة..الخشبة اشخاص يتحركون لتأدية ادوار حددت سلفا، تلك هي الحياة نؤدي الدور نجري وراء الهدف رغم انه لا يوجد هدف بالف لام التعريف  هناك حكاية قديمة تقول بان مصير الانسان تحدد عندما كان جنينا في موطنه الاصلي، وهي عبارة عن معادلة بسيطة وسهلة تتضمن متناقضين فقط : السعادة والشقاء، الشقي شقيا والسعيد سعيدا، الشقي يصطدم بالواقع  يقاوم يرتكب المعاصي يفوز بالجحيم على خلاف من يولد على ملعقة من ذهب في فمه، رغم اننا نعتقد عكس هذا ونقول بان البؤساء احق بالنعيم، فنحن بذلك نسلي انفسنا فقط.

معادلة الشقاء والسعادة هاته تحكم المركز والهامس وتحدد مصير جميع الذوات، هنا نتساءل بصدد الانسان الجغرافي الاول، الذي خرج من موطنه الاصلي حاملا معه رسالة العذاب. احتج منذ الوهلة الاولى حين اعلن صرخة الانقطاع عن الحياة.

اقول الانقطاع عن الحياة بالنسبة الى الشقي فقط، ففي موطنه الاصلي على الأقل كان يتغذى عبر المسالك الحيوية, كان جزء من الامومة جزء  من الارض، لكن عندما تدحرج من موطنه الاصلي نحوى موطن الاستطان، ينقطع عن المسالك الحية ويرتبط بالمسالك الوعرة.

سيقول عني البعض انني احيي التشاؤم في زمن تحسنت فيه الظروف، والبعض الآخر سيقول عني انني شقي يكتب يوميات شقائه، لكن هل بالفعل تحسنت الظروف…هناك حركة نحو الامام لكن الحركة حركة الزمن، نحن نعتقد اننا نواكب هذه الحركة ننحوا منحى الامام، بلا نحن نشاهد الامام وخو يبتعد عنا نراه يصير ونتدحرج نحوالوراء.

لهذا في بحثي عن الحروف المبتورة تطلب مني الأمر الكثير من السير إلى الأمام .

لا زالت أتذكر عبارة المرأة حين قالت نحن كائنات  قدرية، هي بقولها هذا جعلتني أقف على عتبة زماني متسائلا عن مدى إتمامي للأناشيد وهل أستطيع العثور على الحروف المبتورة؟ وهل من شفاء لجنون الكلمة؟

وضعت هدفي صوب أعيني وتركت الهامش في صراعه المفتعل عسى أجد شفرة هذا الصراع. تركت الأرض ونزلت المغارة لكي أنام قليلا استعدادا للطريق الطويل، طرقت باب المغارة رغم علمي المسبق بخلائها، لكن يكون في بغض الأحيان عابر السبيل و التائهين مثلي، دخلت المغارة أخذت مكاني ودخلت في نوم عميق جراء التعب الذي لصق بي. حتى فتحت عيني على أشعة الشمس التي تسللت من باب المغارة التي تطل عليها مباشرة، رفعت عيني إلى جدار المغارة فوجدت رسالة مكتوبة بالجمر:

أيها الإنســــــــــــان .. أيها المجــــهول

أيها التائـــــــــــــــه .. لا تطمح للسعادة

لا تبحث عن المعنى .. لا تردد الأناشيد

دع المعنى للزمــــن .. عش كــــما أنت

لا تسأل لا تفكــــــــر ..  نـــم حيث أنت

لن تشفى من جــنون الكـــــــــــــــــلمة!

تسمرت عناي على الجدار، واصبت بحيرة جراء هذا المخلوق الذي استطاع قراءة افكاري ويعمل على افشال مهمتي، وتفاديا للمزيد من الأسئلة خرجت من المغارة أبحث عن أثر كي أجد دليلا لكاتب هذه الرسالة، نزلت أتفحص التراب فلم أجد شيئا، نظرت إلى باب المغارة فرأيت عبارة مكتوبة بخط كبير ” لا تجرج من المغارة، بل عد إليها لا وجود للمعنى، لاتتعب نفسك “.

بعدها نظرت إلى يدي فوجدت أثار السواد في أناملي، فقلت أنذاك اتضحت الرؤية، فإلى جانب جنون الكلمة انضاف مرض آخر، فأنا مصاب بالتجوال النومي، نظرت إلى نفسي وقلت:

ــ لماذا لا أقضي أيامي كلها نائما وأجول في النوم لعلني أجد الحروف المبتوة ويكتمل المعنى، وبذلك أتخلص من عبئ الطريق، ومن حر الشمس وعيون الآخرين، وسلبيات الواقع.

عدت إلى المغارة وقلت هذا هو موطني الأصلي، لكن ما إن قررت الجلوس طرحت أمامي مجموعة من الأمور، خصوصا وأنني في أرض خلاء،هل أعيش متوحشا على الصيد وثمار الأشجار؟ هل أقطع الطريق كي أستمر في الحياة؟ … وجدت نفسي سأكون ضد الإنسان، وبدل البحث عن الحروف المبتورة وجدت نفسي سأتلف الحروف الأخرى.

نهضت من مكاني وأخذت قطعت جمر كتبت إلى جانب الرسالة النومية.

لا للجلوس..لا للنوم في المغارة، لا للحياة حتى أجد الحروف المبتورة، حتى تكتمل الأناشيد…

خرجت من المغارة وسرت طويلا دون أن أنظر أمامي، ذهبت في طريقي أفكر في حياتي وهل لي حياة؟ على الأقل إذا لم أجد الحروف المبتورة سأترك قصة يتسلى بها القراء ويستأنس بها من يحبون التسلية، هكذا سرت أيام وليالي، شهور وأعوام، حتى خرجت من الجزء المهمش من الأرض ووصلت إلى حيث أناس مختلفين يتحركون بطرق مختلفة فتيات بلباس أنيق وقصر، سيارات بأشكال وألوان مباني عالية، إضاءة ونور،وقفت طويلا أوزع النظرات هنا وهناك وقلت من المستحيل الحصول على المعنى هنا، الأرض هنا تختلف تماما عن الجزء المهمش، سرت في الشوارع مثقل الخطوات منبهرا من الشقق العالية أنظر في السماء وفجأة اصطدمت بشيئ على الأرض، نظرت إلى قدمي فوجدت شخص مستلق على الأرض مغطى بفراش تفوح منه رائحة نتنة، اعتقدت للوهلة الأولى أنه ميتا فنظرت على يميني وعلى يساري، لكي لا يتهمني أحد بقتله، اقتربت منه وبدأت أحرك رأسه، ففتح عينيه ونظر إلي نظرة حادة وقال بهلجة الإستياء:

ــ ألم تجد غير هذا المكان؟ ابحث لك عن مكان آخر أيها المتشرد…

لم أهتم بما قال، نهظت من أمامه وبدأت أشتت نظراتي بين الشقق العالية وشقة هذا الشخص، فابتعدت عنه وقلت بصوت مرتفع:

ــ أكيد وأكيد جدا أنه حتى هنا يوجد المعنى، وحتى الحروف بترت هنا…

وفجأة قطعني صوت من بعيد على شكل موال، بدأت أسترق السمع فسمعت:

على هامش الحياة أعـــــــيش

على بقايا الجوع أقــــــــتات..

على فراش الشارع أنــــــــام

على مياه المستنقعات أستحم..

ذهبت نحو الصوت فوجدت متشرد آخر، وقفت بجانبه أنصت إليه، نظر إلي مبتسما وقال:

ــ هذه هي بطاقة هويتي منحها لي القدر وليس الإنسان، فهل أنت من نفس الطينة، هل تحمل نفس الهوية؟

فكرت جيدا في هذه البطاقة الهوياتية القدرية التي انضافت إلى قائمة البطائق الأخرى، وتضامنا معه قلت له:

ــ نعم أحمل نفس الهوية وسأعمل على إضافة شهادتك هاته إلى قائمة الشهادات لأن هذه هي مهمتي…

بعدما عانيت وتعبت جراء البحث عن الحروف المبتورة في الاراضي الهامشة و المركزية، بين الوديان والجبال وفي هذا البحث يزداد عذاب جنون الكلمة، قررت الإنصات ليلا والإستماع نهارا لأقوال الحمقى والمتشردين وقراءة الكتابات الجدرانية على الأقل أجد فيها ما يسليني, لكن ليس هذا لاقول كما يقال بأن الحقيقة الحكمة تخرج من أفواه الحمقى والمجانين، بل لأسأل لماذا صار المجنون مجنونا ومن جعل من الأحمق كذلك، خصوصا وأن أجوبة علم النفس والطب العقلي غير مقنعة، والسبب في ذلك هو أن ذلك ينضاف إلى الحروف المبتورة والجزء الضائع من المعنى …

كانت أمي تقول دوما أطلب العلم من المهد إلى اللحد، هذا ما سمعت منها أول الأمر فأخذت بنصيحتها لأن الجنة تحت أقدامها، فقرأت الليل والنهار ولم أكف ولو يوما واحدا عن الدراسة والمطالعة حتى وجدت نفسي مدمنا على ذلك، لكن وجدت نفسي أسيرمسرعا نحو الجنون باحثا عن حروف لا أدري لماذا وأين قبرت، هل في اللحد الذي نسير نحوه أم في المهد الذي تركناه أم في قبر دراكيلا ننتظر قيامه للحصول عليها، لا يهم أين ومتى، المهم أن التوجه نحو اللحد ضرورة حياتية سواء كانت المعنى أم لن تكن…

علما باللحد واقتناعا بالزوال لن أجلس في أرضي ولن أسمع لحديث نومي، بل سأنساق وراء حروفي، ولن أسمح لنفسي أن أموت بجنون الكلمة، لأنه استسلام وطلب للعفو…فكما تعلموا فأنا مريض بجنون الكلمة وهو ليس كسائر الأمراض، بل أسوءها على الإطلاق، يجعل المصاب به لا يعرف الإستقرار، لهذا أتكبد كل المعانات لأحصل على الحروف المبتورة..

لكي لا تنساقوا وراء الاسلوب وتعتقدوا أنني كاتب حكايات، فنحن لم نصل بعد إلى مستوى الحكاية، فالذين سبقونا في الزمن عادوا إليها انتقدوها بعدما فهموها فحصل لديهم العلم، فالأسطورة منت عليهم فهما ما للحياة وبعدها إستبدلوها علما.

أما نحن فخيالنا ضيق ومقدس أجدادنا يحرم الإبداع، فاختلط هذا بذاك واتسعت رقعة الطبوهات وصرنا نخشى أنفسنا، لذلك قرأت الأخلاق في الكراس الإبتدائي فلم أجد أخلاقي، شهدت مسرح السياسة فلم أجد ما يرضيني فاطلعت على الدين ولم أهتد كثيرا، ثم استحوذت على بعض حرف المنطق فوجدت الحياة فوضى  ولا يحكمها المنطق، لهذا سلمت وقلت توجد أزمة المعنى..ولكي أخلص نفسي من الأزمة عدت إلى خيالي أنسج بعض الكلمات وأكون العبارات والجمل ثم الفقرات، من ناحية سأحترف الكتابة ومن ناحية أخرى سأسلي نفسي من القنوط مع تمدد الزمن…

قلت هذا وتذكرت أن الخيال يقع في  الهامش مقارنة بالعقل الذي يستبد بالمركز، بعد هذا وجدت نفسي اعيش الهامش واصبح من مكوناتي، لكن لا نتفاجأ إذا انقلب الهمش مركزا والمركز هامشا كما وقع للأرض مع السماء، فأزيح بطليموس وتجاوزه الزمن ودخل كوبرنيك الأرض ونظر إلى السماء واستمر مع الزمن إلى حد الأن…

يتبع في العدد القادم