هل أصبحنا أمام كاتب وقارئ في نفس الوقت مع التدوين على الانترنيت.

محسين زويتن

إن من إيجابيات الأنترنيت أنه أتاح الفرصة أمام الشباب لإبراز قدراتهم ومواهبهم في جل الميادين العامة والخاصة. في مقالنا هذا نود الحديث عن التدوين على النت في المجال الثقافي، وهل هذه الانتفاضة الذي يشهدها العالم في هذا المجال سيكون لها أثر ايجابي على المسار الثقافي في وطننا العربي عموما والمغربي على الخصوص؟. وهل ساهمت الصحافة الإلكترونية في هذا المجال وأزاحت القيود والشروط عن أدبيات الكتابة بصفة عامة؟ وهل تلتزم بالموضوعية والحيادية، وكذا احترام النظام العام؟

إن من مظاهر الثقافة على الأنترنيت في جل أشكالها وأطيافها الإبداعية عن طريق الشبكة العنكبوتية مع ارتباطها بالحاسوب، دون أن نقصي الهاتف الذي أصبح يلعب نفس الدور مع التكنولوجيا الحديثة. إن ظهور المعلوميات في نهاية القرن الماضي، ونتيجة لاستخدام الحاسوب وتحويل مهمته من غرض العمل والاتصال حث أصبح يقوم بمهمة نقل المعلومات مكتوبة وكذا امكانية الاحتفاظ بها ومشاهدتها من طرف الاخرين مع محرك ‘جوجل’، ومعه تم تحويل مهمة الحاسوب مع الانترنيت إلى التدوين، فأصبحت هذه الاخيرة ظاهرة اجتماعية وتمثل طفرة نوعية في مجال الثقافة وانتشارها الذي تجاوز حدود الوطن الواحد الى العالم بأسره، وقد تم اعتبار الثقافة عبر الانترنيت كطريقة للاستفادة من خبرات الغير في جل الميادين الاجتماعية والاقتصادية والتجارية دون ان ننسى الثقافة التي هي محور مقالنا هذا… وقد تًشْمل العوامل الافتراضية والحقيقية معا، وبذلك يمكن اعتبارها الاكثر انتشارا في وقتنا الحاضر وعلى الخصوص بين الشباب وأصبحت مستوطنة في جل المجتمعات.. إن الثقافة الناتجة عن استخدام الحاسوب تطورت بشكل كبير وبطرق مختلفة، حيث وصلت إلى طريقة وصل إلكترونية بين أشخاص متقاربي الفكر على الرغم من بعد المسافة التي لم يعد لها وجود في عالم الانترنيت. إذن يمكن اعتبار الانترنيت شكل من أشكال التعامل الانساني على الشبكة العنكبوتية، وخصوصا الابداع الفني والأدبي الذي أصبح ينتشر بشكل كبير في وقتنا الراهن، حيث أصبحت المدونات تساهم بشكل كبير في هذا المجال، بإتاحتها الفرصة للشباب لإبراز مواهبهم وقدراتهم الابداعية في جل المجالات المرتبطة بالإبداع والثقافة على جميع الأصعدة، حيث أنها تعمل على تسهيل عملية النشر بسهولة بالغة وكذا التفاعل معها عبر التعليقات وغيرها من الطرق المتاحة دون أن نسى دور و أهمية مواقع التواصل الاجتماعي في نشر هذا النوع من الثقافة..

إن ما يتداوله الشباب عبر مدوناتهم من مواضيع فهي تدخل في الغالب في خانة اليوميات، الخواطر، والتفكير المسترسل عن الافكار، والإنتاج الادبي، ونشر الاخبار، دون أن ننسى تقنيات البرمجة.. وقد تكون هذه المدونات إما شخصية لشخص واحد يدون فيها أفكاره وإبداعاته وموضوعاته، أو جماعة مفتوحة في وجه العامة شريطة احترام أهدافها التي تم تسطيرها من طرف الساهرين عليها.

أمام هذا الزخم من المدونات التي تعد بالألاف في البلد الواحد، وبِبٍضْع الملايين في العالم كله، أصبحنا نعيش انتفاضة ثقافية وحراك كبير في مجال التدوين الإلكتروني… كل هذه العوامل هي جد إيجابية، حيث خلقت لنا صراعا بين التكنولوجيا والثقافة بشكل كبير، والغلبة تكون دائما للتكنلوجيا بما توفره لنا من خدمات، ولولاها لَما وصلنا لِما نحن عليه الآن في مجال التدوين أصلا، وبفضلها تم تطويره وانتشاره بشكل كبير.

هل كل هذه العوامل في صالح الثقافة الهادفة، أم ضدها، وكيف؟.

يقول أحد الباحثين المهتمين بمجال الثقافة والتدوين على النت وهو ” نيكــــــــــولا كارا ” بأن { الانترنيت يؤثر على أدمغتنا بشكل كبير ويجعلنا أكثر غباءً وتشتتا وسطحية وميلا الى الاستمتاع اللحظي لاحتياجاتنا المعرفية، وأقل صبرا وتركيزا وأنها تؤثر سلبا على جودة المعرفة… }.

إن الاستعمال المفرط للأنترنيت يساهم في تقليل نشاط العقل وكذا عملية التفكير بشكل أعمق، ويفقدنا التركيز أحيانا كثيرة عند إبحارنا في العالم الافتراضي والغوص في سبر أغواره، وغالبا ما نكون نبحث عن ذواتها أو المجهول فينا… غالبا، والعادة عند العموم هي القيام بالتصفح السريع للمعلومات على حساب التصفح المعمق. وهذا ما يلاحظ في الغالبية العظمى من المتصفحين يقرؤون العناوين ويمرون مرور الكرام، وهذه العادة نجدها حتى في المقاهي عندما يأخذ شخص ما الجريدة ويُقلِّبُها في يده لخمس دقائق بحيث تكون كافية لتصفحها وقراءة العناوين العريضة الموجود بها فقط ثم يبحث عن أخرى.. أما في مواقع التواصل الاجتماعي فالكل يضغط على زر أعجبني، دون أن يقرأ المحتوى من الأصل وقد تجد بعض المواضيع لها عدد كبير من المعجبين، وعندما تنظر إلى عدد الزيارات أو بالأحرى من تصفح الموضوع من أصله تجده لا يتعدى في بعض الأحيان 10 بالمائة ممن ضغط على “جيم”. وبالتالي هل يمكننا القول أننا أصبحنا أمام زخم معلوماتي كبير وأقل عمقا وأكثر سطحية وفردانية؟ وهل هذه الحالات تؤدي إلى ديموقراطية الإنتاج أم إلى تحرير المواهب في مجال الكتابة والابداع، وإنتاج نخب جديدة قادرة على إزاحة النخب التقليدية من الساحة وأخذ مكانتها، أم أصبحنا أمام كاتب وقارئ في الوقت نفسه؟؟.