الوصايا العشر (القصة7)

سلمى الغزاوي

        (القصة السابعة من المجموعة القصصية على ضفاف الواقع)                

                           الوصايا العشر

 

لله ذر الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله، فكم من الناس حسدوا غيرهم، لكن الحسد نال من قلوبهم وأشعلها نارا، دون أن تمس ولو شظية واحدة الذين حُسدوا.

توفيت عائشة وخلفت وراءها فتاة عمرها ثلاث عشرة سنة، اختار بعدها إدريس زوجة جديدة تحمل عليه عبء البيت وتكون رفيقة لابنته. كـانت فاطمة، الطفلة الصغيرة، نور عيون أبيها، فقد كان يحبها حبا جما، لذا اشترط على زوجته أن تعاملها وكأنها ابنتها. وافقت الزوجة في البدء على ذلك، لكن عندما أمسكت قبضتها من البيت وصاحبه أظهرت وجهها الحقيقي وأغرقت الأسرة في الكذب والنفاق، فكانت تكيل للمسكينة ويلات العذاب، من ضرب بالسياط والعصي وسب وشتم، كل هذا في غياب إدريس عن المنزل، وحينما يعود الأب للبيت، تضع قناع البراءة واللطف، وتبدأ بالتصرف مع فاطمة بلباقة مكشوفة، فكان الأب يفرح جدا ظنا منه أن فاطمة حبيبة قلبه، تعيش منعمة. بمجرد دخوله كان يناديها لتجلس في حجره، فيقبلها ويتلمس جديلتيها اللتين انسابتا على ظهرها. كان شعرها قد أخذ نصف جمالها، فقد وهبها الله شعرا لا مثيل له عند قريناتها تحسدها عليه كل فتيات الحي. ذات يوم خرج الأب إلى العمل، وكغيرها من الفتيات، توقفت فاطمة أمام المرآة تمشط شعرها، ونسيت أن تغسل الأواني، رأتها زوجة الأب، فقالت لها:

– ما شاء الله… أمرتك بغسل الأواني، وأنت يا أميرة أمام المرآة…

– أنا آسفة، لقد نسيت، سأذهب… حا..لا…

– اصمتي، سأريحك اليوم من ذلك الشعر الذي تتباهين به، سأقصه لك وأريحك…

– لا … أرجوك يا سيدتي، لا تقصيه، لن أكررها ثانية، أعدك…

– لا تناقشيني في هذا، لتتعلمي أن لا تقصري مرة ثانية في عملك.

أحضرت المقص، وقصت شعرها عن آخره، والفتاة تصرخ، وهي تضربها، وهددتها بأن تقص لسانها إن هي أخبرت أباها، وبالفعل لزمت الفتاة الصمت خوفا، وهيمن عليها حزن لا يوصف اسوداده على وجهها. عاد الأب من عمله، وكالعادة، نادى فاطمة ليداعبها ويتبادل معها أطراف الحديث، لكن هذه المرة، عندما دخلت عليه، انتفض من مكانه وصرخ قائلا:

– من فعل بك هذا يا ابنتي؟ أين شعرك؟

ظلت فاطمة صامتة، لتتدخل زوجة الأب قائلة:

– المسكينة أرأيت ما حل بها؟ لقد طلبت منها عدة مرات أن لا تقترب من النار، ولكنها أصرت على مساعدتي في المطبخ، فلم أنتبه إلا والنار قد شبت في شعرها، وقد أكلت معظمه، فأطفأتها وأصلحت بالمقص ما فسد، كم كان شعر صغيرتي جميلا!.

– تعالي إلى حضني يا ابنتي المسكينة، لك جزيل الشكر يا زوجتي على تدخلك السريع فلولاك لكانت النار قد أحرقت غاليتي.

– لا تشكرني يا عزيزي، ففاطمة ابنتي.

هكذا نجت الزوجة من فعلتها، وليس هذا فحسب، بل تلقت الثناء على ذلك. لكن مع حلول الموسم الدراسي، تنفست فاطمة الصعداء فقد كانت المدرسة جنتها الصغيرة، فلن ترى وجه زوجة أبيها طوال اليوم.

ذات يوم بعد خروج فاطمة من المدرسة، مرت بإحدى الأحياء، فوجدت سيدة عجوزا تجلس على كرسي بجانب منزلها المتواضع، تبدو على محياها علامات الوحدة. لما حاذتها فاطمة ألقت عليها السلام، فنادتها العجوز لكن فاطمة ترددت في الذهاب إليها. عرفت العجوز خوفها فطمأنتها وطلبت منها الإقتراب، دنت فاطمة منها فأمسكتها من يدها وأجلستها بجانبها قائلة:

– ما بك يا ابنتي؟ تبدو على محياك علامات الأسى.

– آه يا خالتي أنا أعيش مع وحش في المنزل.

– تعيشين مع وحش؟؟

– أجل زوجة أبي.

– سأكون سعيدة إن أنت شكوت لي همك.

– حسنا أنصتي لي يا خالة…

حكت فاطمة كل شيء للعجوز، فأشفقت لحالها وقالت لها:

– أحس بما تحسين، فقد كنت في مثل حالتك عندما كنت في عمرك.

– حقا يا خالة؟

– أجل ولكنني لم أكن حزينة كما أنت الآن.

– كيف؟

– قبل أن تتوفى أمي أوصتني بوصايا عشر لأكون سعيدة مهما صار معي. لذا أرجو أن تمري علي كل يوم لأعطيك وصية من هذه الوصايا، حتى أتمم لك العشر، وهكذا ستجدين سعادتك إن شاء الله.

– حسنا سأمر عليك في كل يوم، وسأكون مشتاقة لأسمع وصيتك الأولى غدا.

– إلى اللقاء يا ابنتي أراك غدا.

– وداعا.

عادت فاطمة إلى المنزل، تلقت اللوم والعتاب من زوجة أبيها على التأخر، لكنها لم تكثرت لكل ذلك، فقد كانت في شوق لمعرفة الوصية الأولى.

في الغد بعد أن غادرت فاطمة المدرسة، أسرعت الخطى نحو بيت العجوز، بعد أن وصلت حيتها وجلست بقربها، أخذت نفسا عميقا وقالت:

– ها أنا ذا يا خالة، ما وصيتك الأولى؟

– على رسلك يا ابنتي، فلا ينال العلم مستعجل.

– لست مستعجلة، أنا متشوقة فقط.

– لدي شرط قبل أن أقول الوصية.

– كلي آذان صاغية يا خالة.

– عليك أن تعديني بحفظ كل وصية عن ظهر قلب.

– أعدك يا خالة.

– حسنا الوصية الأولى تقول: “لا تنتظري شكرا من أحد، ويكفي ثواب الصمد، وما عليك ممن جحد وحقد وحسد.”

كتبت فاطمة الوصية على الورقة وضربت للعجوز موعدا في الغد، ثم عادت إلى البيت. أخذت تردد الوصية حتى حفظتها، فقفزت فرحة، وهي تقول بصوت عال: لقد حفظتها… حفظتها… انتبهت زوجة الأب لصراخها فدخلت عليها قائلة:

– مابك تصرخين كالمجنون؟ هلاّ صمت، فأنا أشاهد التلفاز.

– هل توجد أية أعمال تنظيف أقوم بها؟

– هل أنت بخير؟

– على أحسن ما يرام.

– ليس من عادتك أن تسألي عن واجبات البيت، بالعكس، فأنت تتهربين منها دائما.

– لن أنتظر شكرا من أحد، ويكفي ثواب الصمد، وما علي ممن جحد وحقد وحسد.

– إن كررت هذا الكلام سأؤدبك.

غادرت زوجة الأب الغرفة وهي تستشيط غضبا. وأصبحت فاطمة بعد ذلك لا تنتظر أن تتلقى أوامر بما ينبغي أن تفعله، بل تبادر إلى القيام بكل شيء بنفسها ودون أن تنتظر الثناء من أحد.

في الغد، مرت فاطمة على العجوز ثم سألتها:

– أهلا يا ابنتي، كيف سارت أمورك؟

– بخير وكما كنت أتمنى، ترى ما وصيتك الثانية؟

– وصيتي الثانية:”لا تتأثري بالقول القبيح والكلام السيئ الذي يقال فيك، فإنه يؤذي قائله ولا يؤذيك”.

حفظتها عن ظهر قلب بمجرد أن كتبتها في الورقة، وعند رجوعها إلى المنزل وجدت زوجة أبيها في انتظارها لتنهال عليها بالسب والشتم، فخاطبتها فاطمة ببرودة أعصاب:

– لن أكترث بالقول القبيح والكلام السيئ الذي تقولينه، فإنه لا يؤذيني بل يؤذيك وحدك.

انعقد لسان زوجة الأب، ولم تستطع أن تنبس ببنت شفه، فقد كانت تشتعل من الداخل لعدم اكتراث فاطمة لها.

في اليوم الثالث مرت فاطمة على العجوز وحفظت وصيتها الثالثة: “لا تفرحي أعداءك بغضبك وحزنك، فإن مرادهم تعكير صفوك”. عادت إلى المنزل، فوجدت أباها قد عاد من العمل ..ارتمت في أحضانه ثم قالت:

– لقد عدت مبكرا من العمل اليوم يا أبي.

– أجل، أردت أن أعود مبكرا لأنني أشعر بالتعب. هل أسألك سؤالا؟

– بالطبع يا أبي تفضل.

– ما سر هذه الابتسامة التي تعلو وجهك وتعبر عن فرحة غامرة؟

– لا يجب أن أفرح أعدائي بغضبي وحزني، فإن ذلك ما يريدون، فيجب أن لا أحقق أمنيتهم الغالية في تعكير صفو حياتي.

– ونعم الكلام يا غاليتي.

كانت زوجة الأب تنصت لحديثهما، فتمكنت فاطمة هذه المرة أيضا من إغاظتها بشكل كبير.

في اليوم الرابع، أعطت العجوز فاطمة الوصية الرابعة: “فكــري في الذين تحبينهم فقط، ولا تعط من تكرهينهم لحظة واحدة من حياتك، لأنهم لا يستحقون ذالك”. أيقظت هذه الوصية في فاطمة ذكرى أمها، فظلت تلك الليلة تفكر فيها وتشاهد صور ذكرياتها، ونسيت على الإطلاق معاناتها مع زوجة الأب، فأحست براحة واطمئنان لا مثيل لهما.

     مرت فاطمة على العجوز في اليوم الخامس، لكن هذه المرة، لم تجدها أمام الباب، فدقته وسمعت صوتا خافتا ينادي:

– ادفعي الباب وادخلي فهو مفتوح.

دخلت فاطمة البيت، واتجهت إلى غرفة صغيرة بها العجوز ممددة على سرير، فأسرعت إليها وسلمت عليها ثم قالت:

– مابك يا خالة؟ ما الذي أصابك؟

– لا شيء.. لقد هرمت وهدني المرض، هذا كل ما في الأمر.

– شفاك الله وعافاك يا خالة.

– أتيت لتسمعي وصيتي الخامسة أليس كذلك؟

– بلى.

– إذن، أنصتي: “أنت التي تلونين حياتك بنظرتك إليها.. حـياتك من صنع أفـكارك، فلا تـضعي نـظارة سوداء على عينيك”.

قبلت رأسهــا وتمنت لها الشفاء ثم عادت إلى المنزل، دخلت غرفتها وقالت في نفسها “علي أن أنظر إلى الدنيا بصفاء لتصفو لي”. هكذا صارت فاطمة فتاة أخرى تنظر إلى الحياة نظرة أمل وتفاؤل إلى المستقبل، ولا تكترث أبدا للتوافه.

في اليوم السادس، ذهبت فاطمة لزيارة العجوز وسماع وصيتها التالية: “ربـمـا سـاءتك أوائل الأمـور، لكن أواخرها ستسرك، كالسحاب أوله برق ورعد، وآخره غيث هنيء”. في طريق عودتها إلى المنزل، تذكرت العذاب الذي كانت تناله من زوجة أبيها، فأوله قد ساءها فهل سيسرها آخره؟

عند رجوعها إلى المنزل، كانت زوجة الأب في الانتظار:

– لقد تأخرت يا فاطمة.

– كنت أسير ببطء.

– فاطمة…

– نعم.

– كيف ترينني؟

– لم أفهم.

– ألا تكرهينني؟

– لا، لا أكرهك، ليس عدلا أن نكره الآخرين، فوراء كل تصرف صادر عنهم لا نحبه أشياء خفيت عنا، لا نعلمها.

– فاطمة.. هل..؟

– ماذا؟

– هلا سامحتني أرجوك؟

– هل أنت بخير؟

– أطلب منك السماح من قلبي ، فهلا عفوت عني، أنا نادمة على ما بدر مني اتجاهك.

– أرجو ألا تكون لعبة من ألاعيبك.

– لماذا لا تريدين تصديقي؟ أقسم بأنني صادقة.

– حسنا… إن كان الأمر هكذا فقد سامحتك.

– حـــقا؟؟

– طبعا، سامحتك عن طيب خاطر.

– لأتأكد من مسامحتك عانقيني.

سارت فاطمة ببطئ وتردد.. عانقت زوجة أبيها وجلست بجانبها:

– فاطمة، سيكون لك أخ.

– هل.. أنت حامل؟

– أجل، أنا حامل.

– لا أصدق… يا له من خبر مفرح!

– لست محتاجة لتعبري، فالفرحة بادية على قسمات وجهك.

في تلك الأثناء، دخل إدريس فرأى أجواء الفرح تلك، وزفوا له البشرى فكادت فرحته تخرج من قلبه لتحلق عاليا في السماء.

كان اليوم الموالي هو اليوم السابع، دخلت فاطمة على العجوز كغير عادتها، وقبل أن تتكلم فاطمة سألتها:

– ماذا حدث؟ فلست على طبيعتك.

– معك حق يا خالة، لقد سرتني أواخر الأمور التي ساءتني أوائلها.

– ماذا حدث؟

– لقد طلبت مني زوجة أبي السماح، وهي حامل الآن.

– رائع، احمدي الله واشكريه.

– الحمد لله مبدل الأحوال، وما الوصية السابعة ياخالة؟

– “إن كان لك دين يرشدك، وعقل يسددك، وحسب يصونك، وحـياء يزينك، فقد جمعت الفضائل”.

– معك حق، وشكرا على كل ما أسديت لي من نصائح، إلى الغد إن شاء الله.

– وداعا يا ابنتي.

عادت فاطمة إلى البيت، لم تجد زوجة الأب في انتظارها، فدخلت ونادتها:

– سيدتي… أين أنت؟

– ها أنا ذا في المطبخ، أعد العشاء.

– هل أساعدك؟

– فاطمة، ما رأيك ألا تناديني سيدتي؟

– وبم أناديك؟

– أعلم أنني لن أكون في مقام أمك، ولكن ما رأيك أن تناديني أمي؟

– من الآن فصاعدا سأناديك أمي.

– كان لهذه الكلمة وقع خاص على قلب فاطمة وزوجة أبيها، فتلاشت البغضاء والشحناء من قلبيهما، لتعود الأمور إلى ما كان يجب أن تكون عليه.

في اليوم الثامن مرت فاطمة على العجوز ، وقالت لها:

– خالتي، أتدرين أنها طلبت مني مناداتها أمي؟

– وما كان جوابك؟

– وافقت بالطبع.

– يالك من حكيمة يا ابنتي، عليك أن تغسلي قلبك كل دقيقة من الحقد والبغضاء، وأن تكوني متسامحة وقت سنحت لك الفرصة.

– ما وصيتك لليوم؟

– أجل، وصيتي تقول:”الأخلاق الـنبيلة، والسجايا الجميلة، أجمل من وسامة الوجوه، وسواد العيون، ورقة الخـدود، لأن جمال المعنى أجل من جمال الشكل”.

خرجت من هناك وصدى تلك الكلمات يتردد في رأسها وقلبها يتشبع بما تحفل به من معان.

بعد أن انقضى ذلك اليوم، اتجهت فاطمة إلى بيت العجوز، فوجدت أن المرض قد اشتد عليها، لم تسألها على الوصية التاسعة، فقالت العجوز:

– لماذا لم تسأليني عن الوصية التاسعة؟ لا زلت قادرة على الكلام.

– إن كان ذلك ما تريدين، فلا مانع لدي.

– الوصية التاسعة تقول:”الحيـاة الكـاملة، أن تنفقي شبابك في الطموح، وأنوثتك في الكفاح، وشيخوختك في التأمل”.

غادرت فاطمة منزل العجوز، وهي قلقة عليها، لأن المرض اشتد عليها. وحتى في المنزل، بدت شاردة الذهن، فسألتها زوجة أبيها عن سبب شرودها فحكت لها قصتها كاملة مع العجوز، وأخبرتها كذلك بمرضها الشديد، فأصرت على مرافقتها غدا للاطمئنان عليها.

وفي اليوم العاشر، رافقت زوجة الأب فاطمة إلى منزل العجوز، بعد أن دخلتا وجدتاها تحتضر، فأسرعت إليها فـــاطمة وارتمت في أحضانها قائلة:

– خالتي لا تذهبي أرجوك، فقد صرت جزءا من حياتي.

– لا عليك يا ابنتي، هذه سنة الله في خلقه، دعيني أكمل لك الوصية العاشرة.

– لا ياخالة، أنت عندي أهم من كل الوصايا.

– لقد وعدتك يا ابنتي، فاتركيني أفي بوعدي، أنصتي:” أتريدين السعادة حقا؟؟ لا تبحثي عنها بعيدا، إنها فيك، في تفكيرك المبدع، في خيالك الجميل، في إرادتك المتفائلة، في قلبك المشرق بالخير”.

بعد أن وفت بوعدها، ارتخى جسم العجوز بشكل كـامل، وأغمضت عينيها وكأنها غطت في سبات عميق، سبات لن تستفيق منه. لم تتوقف محاولات فاطمة لإيقاظها، لكن زوجة الأب اقتربت منها وأمسكتها من يدها وأبعدتها قائلة:

– لقد فارقت الحياة.

مرت على الأحداث عشر سنوات، ولكن فاطمة لم تنس وصايا العجوز ولو للحظة. فلقد وجدت سعادتها الحقة بعملها بتلك الوصايا.