ابكي يا الداودي فنحن بكينا في صمت

يوسف بخوتة

  

                        vvvv

   لك أن تبكي يا الداودي حتى تجف دموعك، فنحن بكينا ولم يسمعنا أحد، لقد ذقنا من العنف طعم المأساة يوم وارينا التراب شهيدنا ذات شتاء من 2013 ، لم تكون هناك الكاميرات ولا الصحافة، إلا ما استطعنا أن نأخذه نحن في موقعنا هذا كي نسجل دموع الأم المكلومة وأبناء العائلة، ابكي يا الداودي وتحسر يا بنكيران، فهذا إنسان أما شهيدنا الذي قتلته يد الغدر السنة الماضية لم يكن سوى رقم أو عدد في لائحة الموتى.

   مات الطالب الحسناوي في صراع الدين واللادين داخل اسوار الجامعة المغربية،  مات الحسناوي متأثرا بجروحه الغائرة داخل المستشفى الجامعي بفاس، بعدما أخذ من طعنات الإديولوجيا الكثير، مات الحسناوي وبكى من بكى، وصاح من صاح، مات الحسناوي وترك كم من سؤال وسؤال.

   قبل عام ونيف من الآن نشرنا في موقعنا – وكنا السباقين على الصعيد الوطني- خبر استشهاد الطالب التاوناتي والمرنيسي الأصل محمد الفيزازي، كان الخبر كالصاعقة في صفوف الطلبة والزملاء والهيئات الحقوقية، فانتشر عبر وسائل الاعلام المغربية كالنار في الهشيم في أيام الحر، رغم الوقت كان شتاء، طالب شاب يموت غدرا بعدما رفسته أحدية قوات حفظ النظام وهرواتهم داخل الحي الجامعي سايس، فكان لحادث استشهاده وقع كبير لدا الطلبة من كل الفصائل، والكل بادر لاحتضانه ويسجله باسمه، رغم أن السيد -ونعرفه تمام المعرفة- لم يكن في حضن فصيل معين، كل ما كان له في الجامعة، هو التحصيل المعرفي والعلمي، وتبنت أكثر من جمعية حقوقية ومنظمة ملفه، الذي بالمناسبة لا زال في غياهب العدالة، ولم يتم الافراج حتى على الملف الطبي لمعرفة الحقيقة، لأن الامر كان من جهاز للدولة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال إدانة جهاز من أجهزة الدولة ولو أخطأت.

   استشهذ الفيزازي وغيّبت الحقيقة وطبل المطبلون للعنف داخل الجامعة، وقد خرج الوزير السيد الداودي وشمر وزمجر وخطب في الناس بأنه سيحارب العنف داخل أسوار الجامعة بكل أنواعه، لكن كان بكما أمام الدولة، ولم يدين هذا الجهاز منها  الذي اخترق أسوار جامعته وعبث فيها أجساد الطلبة، ولم يعرف حتى من أعطى الأمر بقتل الطالب الفيزازي، وقد سخر غير ما مرة من هذه الحادث، والفيديوهات على الانترنيت تحتفظ بهذه الوقاحة جديا، إذ نسجل كيف سأل أحدهم السيد الداودي عن وفاة الطالب واجاب مستفزا ساخرا: (إيوا هداك مات..)، وقد استشاط غضبا حين سئل في برنامج 90 دقيقة للإقناع على ميدي 1 تيفي، في وجه الصحفي حين سأله كون الفيزازي توفي متأثرا بالعنف المفرط الذي تلقاه، فقال متحديا ومتهربا ومتهجما: هل أنت حاضر كي تقول الاستعمال المفرط للعنف؟ القضية بيد لعدالة ونحن لا نعرف ماذا وقع بالضبط…

تهرب الداودي حيها من الجواب واحتمى بالعدالة، يا سيدي الوزير نحن نعرف جيدا العدالة عندنا إنها عمياء صماء وخرصاء إنها لن تقول كلمتها أبدا في ملف كهذا، والطالب الفيزازي مات غدرا داخل أسوار أنتم مسؤولون عنها، إذن إنكم تتحملون المسؤولية في ذلك، وعليكم قول الحقيقة إن كانت فيكم درة مسؤولية.

   نعم سيدي الوزير مات السيد، لكن كيف وأين ولماذا؟ لم نتوصل بأجوبة لحد الآن، وملفه لا زال في رفوف الداخلية والعدل والتعليم العالي، وحسرة الأم وانتظراها لكلمة العادلة لازالت هي أيضا. لا زالت تنتظر حقيقة وفاة غبنها، وتقول لماذا أنت على حالك يا بلدي؟ لماذا تحرمنا ممن نحب بطرق أو بأخرى؟ الموت علينا حق، لكن بأن تقتل أبناءنا فهذا أكثر مما يحتمل يا وطني.

   هذا مجرد محمد الفيزازي، غير نافع لسياستكم او حزبكم، ونحن شاهدنا يوم جنازته – ولحسن الصدف لدى المخزن أن الوقت كان عطلة، والكل غائب عن البلدة- رأينا كيف كانت جنازته محتشمة إلا من قلة من الشرفاء، ولم يحضرها لا رئيس الحكومة ولا الوزير التعليم العالي ولا أحد. كل من حضرها هم عائلة الطالب وجيرانه وثلة من الشرفاء الذين جسدوا وقفة رمزية، فلم يذرف الدموع فيها أحد غيرا عائلته ومحبيه.

   أما الحسناوي فهو عضو بارز في منظمة التجديد الطلابي، القاعدة الأساسية لحرب العدالة والتنمية، وقد شاهدنا تحرككم سيدي الوزير صوب مسقط رأس الطالب في صحراء الراشيدية، وبكل ثقلكم، سيادتكم وسيادة رئيس الحكومة وأناس أخرين لم وزن داخل الحزب، لأنكم تعلومن جيدا وزن القضية، تحركتم لتواسوا العائلة المكلومة، وتعطوا الكلمات وتبكون أمام الكاميرات، لماذا تبكي والأمر وقع في جامعة تحت مسؤوليك؟ وأنت عاهدت نفسك بأن تحارب العنف داخل الجامعة؟

   أه تبكي كي تدغدغ العواطف وتظهر في مكان الضحية.. الضحية توفي رحمة الله عليه، وأمه سامحت القتلة علانية، ورسالة أخوه للطلبة كانت مفهومة وواضحة، لكن رسالتكم كانت ملغومة ومفضوحة، فأنتم ركبتم على الشكل ركوبا فاضحا، وما صرختك الأخيرة في البرلمان إلا ضعف أخر وجبن في القيام بواجبك المهني الذي تتقاضى عيله راتبا سمينا.

   توفي الحسناوي في جامعة ظهر المهراز، هذه الجامعة القلعة الصامدة في وجه التاريخ والبشرية والمخزن، هذه البقعة كانت مرشحة بشكل كبير بأن تشهد حدثا كهذا في هذه السنة، إذ لاحظنا منذ بداية الموسم الدراسي، أجواء مضطربة بعدما تم إغلاق الحي الجامعي الذي كان يأوي الطلبة المعوزين، وما تلاه من اعتصامات واحتجاجات واقتحامات واعتقالات أيضا، وقد تعرقلت في الدراسة أكثر من مرة، لكن الأمر المشبوه في القضية هو هذا هذا التوقيت، إذ وقع هذا في نشاط دعت إليه منظمة التجديد الطلابي حامي الدين، البرلماني في فريق العدالة والتنمية والمتهم الرئيسي في قتل أيت الجيد سنة 1993، والذي تطالب عائلته بالعدالة وتتهم حامي الدين بقتل ابنها، أيت الجيد هذا شهيد الحركة الطلابية رغم اختلافها وتطاحنها أنذاك، محسوب على الجناح القاعدي، هذا الأخير اعتبر الأمر استفزازا له بأن يتم استدعاء مجرم -في نظرهم- إلى داخل الجامعة، بعدما تعالت أصوات هذه بتطبيق العدالة في حقه، مما دفع الفصلين إلى المواجهة، والمواجهة تكون دائما بالعنف في الجامعات المغربية، وهذا متعارف عليه فيها، فقتل من قتل وجرح من جرح واعتقل من اعتقل.

   مات الحسناوي وكانت فرصة كبرى لقادة العدالة والتنمية كي يظهروا مجددا في ثوب الضحية، ويعللوا سبب هبوط شعبيتهم إلى الدرك الأسفل عند الشعب، فكان لزاما أن يبكي الداودي ويحضر بنكيران ويتحسر، ويقول أقولا لا يفهمها إلا هو، كأن يقول جلالة الملك أمرني بمحاربة العنف داخل الجامعة، كان لزاما عليهم أن يحضروا الجنازة ويمثلوا دور الضحية، ويستعطفوا الناس ويلصقوا التهم للتماسيح والعفاريت، لكن الآن بمسميات الفصائل والفئات، ويطالبوا بأن يعطوا صفات الارهاب لمن أرادوا، ألم يكونوا هم يوما من يقوم بهذه الأمور؟ ألم تقتل الشبيبة الإسلامية عمر بنجلون؟ ألم يقتل الإسلاميون أيت الجيد؟ فلماذا دموع التماسيح إذن؟

هذا سيدي الوزير يسمى تطاحن الأفكار بالسيوف والعنف، أما الارهاب أنتم فيه مجتمعون، أما الارهاب الأكبر والعنف الحقيقي سيكون في الموسم المقبل، حين سيتم إلغاء مجانية التعليم وحرمان الطلبة من المبيت وسن قوانين لا تخدم جيوب الفقراء من الناس، حينذاك انتظر القيامة داخل الجامعة سيادة الوزير.

تعليقات

  1. تحليل منطقي… رغم أني قد أختلف معك في بعض النقاط.. تحياتي لك على الموضوعية و الحيادية في التحليل ..لأن الكثير من الصحف الصفراء أسالت مدادا كثيرا من أجل جلب الدراهم..وتصفية حسابات سياسية في الموضوع..اظافة الى ضرب الحركة الطلابية من أجل تمرير بنود الخوصصة..وخاصة في القلعة الصامدة..تحية عالية لك مجددا