طفل للبيع (قصة قصيرة)

علي عبيد

 

 

الجو غبار خانق، والغمام الأسود يسبح فوق سماء مدينة فاس وقد حجب خيوط الشمس المسدلة التي أصبحت في كبد السماء. الضجيج يعلو المكان، هرج ومرج، لِغاط … (اعوينة حجاج). على هذا المشهد العجيب، وقف أمام نادل المقهى المطلة على السوق رجل يدعى المزعبل؛ قصير القامة، أسود البشرة، كث الشارب، مفتول العضلات.. معه طفل ملائكي كأنه الكوكب الدري في الأفق.. قدم لهما النادل إبريق شاي بعد أن أوجد لهما مكانا داخل المقهى. ما من مرة يمر النادل على المزعبل وطفله، إلا ويرقب فيهما لغة الحزن والدموع. انحنى أمامهما قائلا:

ـ هل أساعدكما؟

رد عليه المزعبل وهو يتفحص وجه الطفل ويسترق النظر من حوله:

ـ هذا ابن أخي الهالك، ولأسباب خاصة جَعَلُوا وجهتنا الأولى صوب هذا المكان..

حملق فيهما النادل جيدا ، وقال لنفسه : “بضاعة أخرى هي إذن..” ثم رفع صوته قليلا وقال قبل أن يخرج هاتفه:

ـ انتظراني قليلا، فلقد فهمت الموضوع فهما.

وما هي إلا نصف ساعة زمنية حتى دخل عليهما السي زعطوط بقامته الطويلة، وليس له من الأسنان إلا النواجذ.. رمى بمؤخرة السجارة أسفل الأرض، وداس عليها بمقدمة نعاله الجلدي كأنما يقتل حشرة سامة.. أحضر له النادل فنجان قهوة. رشف منه ثلاث رشفات متتالية وقال للمزعبل:

ـ هنا في اعوينة حجاج، لا أحد يستطيع أن يأخذ منك طفلا ملائكيا كهذا.. ولكنني سأتصل لك بشخص يجعل منك مقابله رجلا فاحش الثراء؛ خاصة أنه في أمس الحاجة إليه..

سكت المزعبل قليلا، وتردد في الموافقة؛ لأنه وجد نفسه أمام بيع طفل.. أمام المتاجرة في بني الإنسان.. ولكنه قال في نفسه: ” الغالب الله” ثم رفع صوته قائلا لزعطوط: “خير البر عاجله”.

كان اللقاء بالمشتري قبل أن تغرب شمس يومهما بحي النرجس.. انزوى المزعبل وزعطوط بالمشتري الملقب بالشعبي. الحوار جد قصير، لا مجال لضياع الوقت، عقارب الساعة تطرق الباب.. وما كان للطفل إلا أن رآى عمه يأخذ محفظة سوداء من داخل السيارة الفارهة. وبعد أن أخذ كل ما أراد.. ودع الطفل عمه والدموع تنهمر من عينيه، ولم يسمع منه سوى أن قال مشيرا إلى المحفظة:

ـ ستكون أمك بخير..

انطلقت السيارة تشق طريقها إلى الرباط على صوت القرآن.. لا كلام إلا بلغة الدموع، كل واحد منهما لم يكلم الآخر.. الهاتف يرن ويرن، صاحبه لا يرد.. شارك شعيب الطفل في بكائه دون أن يعرف أحدهما سبب الآخر. وقبل أن تصل السيارة إلى الرباط.. توقفت قليلا، فقدم صاحبها للطفل صورة طفل آخر هو ابنه الوحيد بعد أن عانقه طويلا. وعادت السيارة لتأكل الطريق السيار أكلا..

ها هي الرباط تفتح بابها والليل حينها قد عسعس. مالت السيارة صوب المستشفى الجامعى ابن سينا. نزل شعيب في سرعة البرق مهرولا إلى المستشفى وهو لم يغلِّق باب السيارة حتى. كان أول خبر تلقاه وهو على عتبة الباب، هو جملة لا جواب لها في دنيا الله، قالها الطبيب ورددها كل من حوله: ” البقاء لله”.. وقع صداها عليه كالصاعقة، فخر مغشيا عليه.. ثم قام مهتهتا بعد أن أُشرب كأس ماء بارد: ” لما جئتك يا ابني بكلية.. غادرتني كأمك”.. فهم الطفل الملائكي الذي كان حينها يتأمل المشهد من خلف نوافذ السيارة على أن من في الصورة قد فارق الحياة. غادر السيارة جريا إلى أن وقع على الرجل وعانقه عناق العائد من الحرب.. تعجب الكل من المشهد وتهافتوا عليهما تهافت الفراش والجنادب حول نار أضاءت ما حولها.. رحم الله ابن شعيب.. هكذا الحياة.. الموت لا يرحم.

وبعد مرور ثلاثة أيام بلياليها على شعيب الذي لم يغادر (فيلته) الفخمة بحي السويسي قرب (الميجا مول)، والناس يأتونه من كل فج عميق ليشاركوه الدمع والحزن.. فقد تكالبت عليه الويلات، وطاف الموت بعالمه فحصد روح زوجه بمرض السرطان قبل شهر ونصف، وكذا روح ولده الذي لحق بأمه نتيجة مرض أفقده كلية بعد كلية وقد رقد رقود أهل الكهف بالمستشفيات.. اختلى شعيب بنفسه في صمت ولولا لطف الله لا ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم..

ثلاثة أيام اخرى من البكاء الطويل وعدم الكلام، لا مع الطفل ولا مع أي شخص آخر.. أصيب بصدمة حملت في طياتها لون الإنسانية لقلبه. كان همه من شراء الطفل أن ينتزع منه كلية لابنه الوحيد. ولكن شاءت قدرة من لا راد لقضائه أن لا يحصل هذا. وهنا خرج شعيب من غرفته ونادى على الطفل الذي احمرت عيناه من ألم البكاء، بصوت خفيت. وسأله عن سبب بيع المزعبل له في اعوينة حجاج.. أخرج الطفل صورة لامرأة جميلة لم تتجاوز عقدها الثالث؛ هي أمه فعلا، وقال: ” مات أبي قبل سنة بعد أن سقط من أعلى عمارة، عمل بناء بها بالدار البيضاء.. لم يعوض له صاحب الورشة. أمي الآن ترقد بمستشفى 20 غشت؛ لأنها أصيبت بمرض السرطان.. وأصبحت في أمس الحاجة إلى المال من أجل العلاج. فكان ذاك اتفاقي مع عمي من أجل جمع المال لعلاجها، فمجتمعنا مجتمع خلت من قلبه الرحمة لما تنكر للإنسانية.. ولا أحد قد رحمها”. ثم أردف قائلا: ” لقد أخبرنا الطبيب على أن المرض هو فقط في أول الطريق إليها.. خاصة أن أبي أوصى عمي بأن يعتني بنا وهو على فراش الموت..”.

كان من حسن الحظ أن أخذ شعيب الصورة من يد الطفل، فقرأ على ظهرها رقم هاتف المزعبل.. اتصل به على الفور، وأخبره أن لا يحرك ساكنا، وأن يفوض الأمر إليه.. خلال تلك الليلة لم ينم شعيب. فقد حيره أمر أبي الطفل.. أخبره المكلف بالورشة التي تعود له على أن الهالك فعلا قد هلك بنفس الورشة، وأن اسمه موجود بالقائمة.. ثار شعيب عليه، وقام يطوف بأركان البيت مرددا : ” كما تدين تدان.. والجزاء من جنس العمل…”. لم يهجع من ليلته تلك إلا قليلا.. فتأمل وجه الله وقت السحر، ليكتشف أن الله قد صنع قصة جعله البطل فيها. فهل له أن ينهيها كبطل خرافي؟!هكذا سجل السؤال في قرطاس ذاكرته قبل أن يتنفس الصبح..

وقبل أن تشرق الأرض بنور ربها، كان شعيب بين أحضان مستشفى 20 غشت. أخذ معه المزعبل وتوجها مباشرة صوب الطبيب الخاص، تاركا الطفل مع أمه. سأل شعيب الطبيب: ” هل من أمل في العلاج؟” قال الطبيب بنبرة يسكنها الأمل: ” نعم، ونسبة النجاح تعلو إذا ما كانت المريضة بقلب فرنسا..”.. أمر شعيب بأن تنقل على الفور.. وذهب معها في نفس الرحلة، بينما عاد المزعبل والطفل معه إلى رحاب الوطن الأم.. زاكورة.

من خلال الرحلة تلك.. قرر شعيب أن يكفر عن خطاياه. نظر إلى المرأة فرآى أنها مثل قرآن يمشي على الأرض. ولما ابتسمت لها الحياة، أحس شعيب أنه ولأول مرة يقوم بعمل يحمد عليه. فأقسم أن ينهي القصة جاعلا من المرأة بطلة فيها. قلب دفاترها وهما يتجولان في قلب باريس، فكتب لها كلاما بعد أن حكى لها قصته التي أثرت فيها.. كان مفاد الكلام أن يتخذ منها زوجة له.. ردت عليه بأنها ستخبره حين العودة إلى الوطن.

وهما في بطن السيارة الفارهة التي تداعب بحر الوطن الذي استقبلهما قبل يومين، التمست منه هاتفه الشخصي. قدمه لها بيد ترتعش.. وهو يعيش ثرثرة داخلية مع السؤال الذي طرحه بقلب مدينة الأنوار. رن الهاتف، كان المجيب هو المزعبل.. قالت له بصوت أسكت ثرثرة شعيب: ” اجمع أغراض ابني فسنأتي لنأخذه معنا إلى أحضان الرباط..” انتهت المكالمة بانقشاع الهموم عن القلب.. وعادت للسماء زرقتها، وللحياة بسمتها، فأنهى شعيب القصة كما أقسم على الله أن يكون بطلها الخرافي.. وانتهت دموع المأساة والآلام بأن أرسَلت الشمس خيوطها في سماء لا غمام فيها.. واندثر الغبار عن جو لم يعد خانقا…

فاس

06/04/2014