مصر تواصل سياسة الإقصاء و إسرائيل تلعب دور الحمل الوديع و فلسطين في خبر كان!!

سامي السلامي

 

 لا يمر علينا يوم كمتتبعين للمشهد السياسي في المنطقة العربية، إلا و نشهد متغيرات و تصاعدا دراميا في الأحداث تنصب جلها في إطار التحول التدريجي من تفتيت منطقة الشرق الأوسط إلى بلقنة العالم العربي وجعل شعوبه خانعة و خاضعة لأنظمة ديكتاتورية تمشي في ركب الاستراتيجية الصهيوأمريكية بالمنطقة.
و نظرا لتوالي الأحداث في الملف المصري و وصول مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية إلى طريق مسدود، نجد أنفسنا أمام حتمية الدلو بدلونا في كل هذه المتغيرات و محاولة فك رموز الصورة القاتمة المرسومة أمامنا.
لطالما تحدثنا عن مصر و انقلاب العسكر فيها على الرئيس الشرعي محمد مرسي، و قلنا أن أي مرحلة انتقالية لابد من أن تتم في إطارها التشاركي الذي يضمن وحدة البلاد و يقيها من الانجراف نحو الفوضى، و انتقدنا بشدة ـ في مقال سابق ـ حكم الإعدام الصادر في حق 529 من أنصار جماعة الإخوان المسلمين، على الرغم من تشديدنا على كونها حربا نفسية من جانب العسكر للي ذراع الجماعة و إرغامها على التفاوض طبقا للشروط المراد بها، و شد أذن باقي الأطياف السياسية على الساحة المصرية و تحذيرها من مغبة معارضة الواقع السياسي بعد 3 يوليوز 2013.
  
لكن السيد “السيسي” و رفاقه من أصحاب البزاة العسكرية، لم يستوعبوا الوضع جيدا و واصلوا سياسة الإقصاء، بإعلان محكمة المنيا للجنايات يومه الاثنين 28 أبريل الجاري بإحالة أوراق 683 من أعضاء جماعة الاخوان المسلمين على مفتي الأمة قصد إعدامهم، كما أصدرت حكما بإعدام 37 عضوا آخرا من 529 كانت قد آحالت أوراقهم على المفتي، و من ثم إصدار محكمة القاهرة للأمور المستعجلة قرارا متزامنا بحظر نشاط حركة 6 أبريل.
 و بموازاة مع ذلك تستمر مسرحية الديمقراطية المصرية المزعومة، بإعلان لجنة الانتخابات الرئاسية لمصر بأن ست منظمات دولية و 79 محلية ستتابع سباق الانتخابات الرئاسية، هذه الأخيرة التي أفرغت من محتواها حينما تم إلباسها زيا عسكريا مكانته الطبيعة “الحدود”.
 إن خير توصيف لما يقوم به العسكر في مصر “بلادة سياسية” بكل ما في الكلمة من معنى، ستذهب بالبلاد نحو فوضى و عنف متبادل يجعل منها مركزا جديدا للجهاد العالمي، فيما سيميل الوضع الإقليمي لمصر نحو التقوقع، مع تنامي التهديدات لأمنها القومي عن طريق تسخين الصراعات في منطقة البحيرات الكبرى في ظل انتشار واسع للسلاح القادم من ليبيا، مع دعم إسرائيلي لا مشروط لإثيوبيا نحو المضي قدما في بناء سد النهضة على ضفاف نهر النيل قصد تهديد الأمن المائي المصري.
هذا و يشهد الجانب الآخر من الحدود المصرية ـ الفلسطينية، مشهدا أكثر سخونة من سابقه المصري، بعد تجميد مفاوضات السلام بين الفلسطينيين و الإسرائيليين من قبل حكومة “بنيامين نتنياهو” احتجاجا منها على مشاركة حركة حماس في المصالحة الفلسطينية الوطنية و عزمها المشاركة في حكومة وحدة وطنية.
 مفاوضات السلام المزعومة، أخذت مجرى تصعيديا من قبل حكومة “محمود عباس” بالذهاب نحو الانضمام لمنظمات دولية و سعيها للتوقيع على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية قصد متابعة مجرمي الحرب الإسرائيليين، كورقة ضغط و تصعيد بعد رفض هؤلاء إطلاق الدفعة الرابعة من قدامى الأسرى في سجون الاحتلال، و هو ما جابهه الإسرائيليون بفرض عقوبات اقتصادية على الجانب الفلسطيني.
 و ذهب الفلسطينيون نحو المصالحة الوطنية التي نتمنى أن تستمر رغم قناعتنا التامة بصعوبة الأمر ولنا في التجربتين السابقتين تحت كنف المصريين و القطريين خير مثال على ذلك، كما أن الظروف التي مهدت لهذه المصالحة و التي يمكن أن نطلق عليها “مصالحة الغرقى” تجعل عملية إجهاضها تلوح في الأفق.
 السيد “محمود عباس” رأى أن التوجه نحو حماس خير وسيلة للضغط على إسرائيل قصد إطلاق الدفعة الرابعة من الأسرى و أخذ بعض المكاسب في حال استئناف المفاوضات و بالتالي تحقيق حد أدنى من المطالب الفلسطينية المبنية على حل الدولتين  على أساس حدود 1967 و الوقف الشامل و الفوري للاستيطان.
  
أما صقر حركة حماس السيد “خالد مشعل” فقد توجه للمصالحة على غرار نظيره عباس من منطلق ضعف، مع تراجع عن مرجعياته و إقراره الانضمام في حكومة ائتلاف وطنية تقبل بحدود 1967 على الرغم من عدم اعتراف حركته بإسرائيل، و هو تنازل خطير ناتج عن اشتداد الخناق ماديا على الحركة وعدم توفرها على السيولة اللازمة لدفع مرتبات أتباعها و ذلك بعدما انقطع حبل الود مع إيران بفعل الأزمة السورية و كذا توقف المساعدات القطرية بإيعاز أمريكي.
  
لسنا ضد المصالحة و ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، لكننا نرى أن المصالحة المبنية على ظرفية آنية سمتها الضعف، و غياب رؤيا استراتيجية لبناء وحدة فلسطينية حقيقية مآلها الفشل، كما نحمل الجانب العربي كل التخبطات التي يعاني منها أشقاؤنا الفلسطينيون الذين وجدوا أنفسهم وحيدين بين فكي كماشة دولة نووية فرضت ترسانتها الرادعة على بعض الأنظمة العربية الاعتراف بها و البعض الآخر التطبيع معها، بالرغم من أن ضعفها الجغرافي يمنعها من التوفر على عمق استراتيجي في محيط عربي.
 الحكومة الإسرائيلية ليست بمنأى عن الضغوطات بعد حملة المقاطعة الغربية الواسعة و نعتها من قبل وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية “جون كيري” بدولة الفصل العنصري خير مثال على ذلك، فشركاؤها و خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية سئموا من تعاملها مع الوضع، إذ يرى صناع القرار في البيت البيض أن الوقت الراهن هو الأنسب لحل الدولتين في ظل تحول الاستراتيجية الأمريكية نحو منطقة المحيط الهادي للإحاطة بالتنين الصيني و التخلي التدريجي لواشنطن عن نفط الخليج في ظل استراتيجية النفط الصخري الأمريكي، و بعد “ربيع عربي” كان من مخلفاته دولا عربية عاجزة و متخبطة في مشاكل عديدة محاطة بثلاث قوى إقليمية غير عربية هي إسرائيل، إيران و تركيا.
 الاختلاف الوحيد القائم حاليا بين تل أبيب و واشنطن لحل الدولتين من عدمه، يتمثل في الدور الإيراني بالمنطقة كقوة إقليمية تتقاسم الكعكة مع الإسرائيليين، و هو ما ترى فيه حكومة “بنيامين نتنياهو” تهديدا لمصالحها و أمنها القومي، بل ذهب بها الأمر بإتهام طهران بنية تدمير إسرائيل، و هو ما عبر عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي يومه الإثنين 28 أبريل الجاري حينما أكد لشركائه الغربيين أن حيازة إيران لأسلحة نووية سيضع العالم على حافة الهاوية.
 إسرائيل ذلك الاحتياط الاستراتيجي للغرب في قلب الوطن العربي تلعب دور الحمل الوديع في المنطقة وتربط عملية السلام بضرب إيران عسكريا، ما يجعلنا نقول أن هذه العملية ستطول و الشعب الفلسطيني الأبي سيعاني ويلات الحصار في ظل صمت عربي فاضح.
 القضية الفلسطينية فوق كل المزايدات و المناورات السياسية، فإما أن يتوفر صناع القرار بالعواصم العربية على الإرادة السياسية الحقة لدعم الشعب الفلسطيني و بناء وحدة عربية حقة، و إما أن ينكسوا أعلامنا الوطنية و يعلنوها نهاية للروح و الشهامة العربيتين.
 المصدر: www.samisoullami.com