قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق

يوسف بخوتة

  

                    vvvv

   مرة أخرى تخرج الحكومة عن رشدها وترتكب اجراما أخرا في حق جيوب المواطنين المغاربة، حيث خرجت بقرار آخر يمس  رزقهم. وهذه المرة جيوب مواطنين خارج الحدود، فبعد الزيادة في الكازوال والبنزين والحليب والمواد الاستهلاكية الأخرى، وكذا الرسوم التي تنوي تطبيقها السنة المقبلة على الطلبة الذين يريدون التسجيل في الكليات المغربية، وكذا صعوبة الولوج إلى الخدمات الصحية، ها هي اليوم تضيف الملح للجرح عبر فرض نظام جمركي جديد يستهدف جيوم المغاربة بالخارج، بعدما فرض عليهم شروط تعجيزية للقيام بعملهم.

   هذا القانون ينص على احترام معايير الاستيراد، ويستوجب على كل الذين يمارسون هذا العمل أن يكون لهم سجل تجاري -أي تأسيس مقاولة-، ويخضع للشروط الدخول إلى أرض الوطن، بأن يكون كل السلع المحملة تتوفر على فاتورة ومدونة في لائحة المحمولات، وتخضع إلى عملية التعشير في الجمارك المغربية، مما يضرب في عمق الجرح، إذ أن الذين يمتهنون هذه المهنة، قد ضاقت بهم الارض في البلدان المستضيفة وأصبحوا يفتشون في مخلفاتها قصد توفير لقمة العيش لأسرته في البلد المقيم، وعائلة متشعبة في البلد الأم. فكيف لخردة أن تتوفر على فواتير وأن تدرج في لائحة المحمولات؟ الناس لجأوا لهذا بعدما وصلت فيهم الأزمة إلى العظم كما يقولون.

   صحيح أننا كمغاربة – سوء في الداخل أو الخارج – ضد أولائك الذين يحملون كل شيء ويدخلون به إلى المغرب، حتى جعلوا منه مطرح نفايات، كأن تجد سائقا محملا بصنابير مكسرة، ومقالي سوداء محروقة و دورة المياه غير مكتملة، وأشياء لم نعرف لماذا تصلح، من أجل أن يبيعها في المغرب ويصرفها نقودا. لكن الله غالب، هو لم يفعل ذلك عن قناعة أو شبعة، فعلها حتى وجد نفس مفلسا، وجيوبه يضرب فيها الكولوندير، خاوية إلا من دريهمات معدودة تكاد تكفي للكراء فقط، أو لقفة واحدة من السوبر مارشي. ناهيك عن مصاريف الأطفال ومستلزمات السيارة، وفواتير حكومة البلد المضيف.

   فقانون كهذا لا يراعي أبدا ظروف المواطنين المغاربة الذين يعيشون ظروف صعبة في البلدان الأوربية، والذين أجبروا أن يمتهنوا هذا العمل،   إذ أن الأزمة لم تعد تطاق، والعمل القار أصبح من المستحيلات، خاصة في إيطاليا وإسبانيا، وكذا فرنسا التي ترتفع فيها نسبة البطالة يوما بعد يوم، فكان لزاما على الحكومة أن تجد حلا آخرا غير هذا، من أجل ضمان عمل بعض من مواطنيها.

   تقول الحكومة أنها لا تستفيد من مداخيل هذه المهنة الغير المقننة، وأن بسن هذا القانون قد يعود عليها نفعا ببعض الرسوم والتعشيرات المستخلصة من الممتهنين، لكن هذا كله على ظهر المسكين، المواطن الفقير، ذاك الذي يكدح كي يجمع حقيبة بها ملابس وأشياء يستر عورة الفقر في أهله، والذي دفعه إلى ركوب الموج والعجاج كي يصل إلى البلدان الغريبة، فلولاه لعجز الأب أو الأم من تدبير مصاريف الحياة هناكفي الوطن.

  زيادة على هذا، فقد فرضت الحكومة أيضا ضريبة على شركات الطريان المنخفضة التكلفة، مما اضطر بعضها إلى المغادرة، وكل هذا يزداد طبعا على ظهر المواطن المغلوب على أمره، فأن تفرض ضريبة 100 درهم على كل مسافر بالطائرة، فإنك أيتها الحكومة الموقرة تزيد ضمنيا 100 درهم في ثمن التذكرة، وبأن تفرض قيود على ادخال السلع والمصحوبات إلى المغرب، فإنك تزيد ضمنيا أيضا على ذاك المواطن الكادح في حقول أوروبا ومعاملها في ثمن السخرة، الذي يدفعه ألى صاحب (الفورغون)، فالمواطن المغربي في ديار الغربة هو جزء لا يجتزئ من أخيه داخل الوطن، فإن زدت على أخوه في البلد الأم، فأنت تزيد على كاهله تدبير تلك الزيادة في التحويلات التي يرسلها بانتظام إلى أهله، هذه التحويلات التي تنعش اقتصادكم أيها البلهاء، الذين تعتبرون أنفسكم وزراء في حكومة أتت من أجل الاصلاح، والله إنكم تدفعون بهذا الشعب بأن يرتكب الحماقات حين ستخرجه زيادتكم يوما إلى الشارع، فالاحتقان قد يصل يوما إلى حده الأقصى، وسترى المواطن الجائع يصرخ في وجوكم ارحلوا واتركوا لنا البلد نحن أهل له، ارحلوا يا جبناء هذا الوطن.

   أيتها الحكومة، إن المواطنون والرعايا الذين يتسكعون قسرا في بلدان الغير، يقولون قطران البلدان وجهنمها، ولا الفقايص ديالكم يا وزراء ضد المسكين، أن قولة المغرب أجمل بلد في العالم لم تعد تجدي نفعا، وان مثل قطران بلادي ولا عسل بلاد الناس راه غير قوالب، وفلتعلموا أيضا أن فكرة مقاطعة العودة بدأت تدخل تدريجيا إلى مخيلة الرعايا، فهم رعايا لا رعاع، فقطع الأعناق ولا قطع الأرزاق.