ثلاثة أسئلة مع الكاتب عبد الجليل ولد حموية

يوسف بخوتة

 

 

لا يمكـــن أن نقزم مفهوم الحرية الشاسع والمتشعب ونحصره في الجسد فقط. لأنه مفهوم فلسفي اختلف في تعريفه العديد من الفلاسفة والمفكرين.

 

 

 

أولا: صهيل جسد دعوة لتحرير الذات والجسد والسير بهذه الحرية إلى أقصى حد إلى حد الحيوانية وإلى أي مدى وافق الكاتب بين المعقول واللامعقول؟ وهل الجسد وحده يمكن أن يكون مقياس للحرية عند الإنسان؟

شكرا لموقع “القلم الأسود” على الدعوة، نتمنى لكم مزيدا من التألق والنجاح…

ليست دعوة إلى تحرير الذات والوصول بها إلى حد الحيوانية، بل دعوة إلى الرجوع إلى الأصل الجميل في الإنسان، الأصل الفطري الغريزي. ومحاولة الهروب من قيود يضعها الآخر على معصم الفرد من أجل تنميطه وجعله نسخة إجتماعية متفق عليها. والرافض لقيود التنميط سيجد نفسه مرميا إلى هامش المجتمع يعاني من الإقصاء والنبذ والتحقير…

هذه القيود قيود مجردة تسكن لاوعي الفرد وتحاول كبحه والحد من حريته. من أجل ايصال هذه الرسالة لابد من الإستعانة بالخيال لتشكيل عالم موازي ومحاولة ترجمته كلمات وحروف على الورق. لكن هذا الخيال لابد له من أساس واقعي يستمد منه شرعيته كي لا يكون العمل ضرب من الخيال العلمي.

إن الرواية الواقعية صنف أدبي يحاول فيه الروائي المزج بين المعقول واللامعقول من أجل إيصال رسالته في قالب واقعي مشوق. لا يمكن أن نقزم مفهوم الحرية الشاسع والمتشعب ونحصره في الجسد فقط. لأنه مفهوم فلسفي اختلف في تعريفه العديد من الفلاسفة والمفكرين…

الحرية هي التخلص من جميع الضغوطات والقيود التي تقيد طاقات ورغبات الإنسان. مع الأخذ بعين الاعتبار عدم المساس بحرية الآخر. هذه القيود تكون عبارة عن مجموعة أفكار مترسخة في اللاوعي الجمعي للحد من حريات الأفراد دون الالتفات إلى رغباتهم أو استشارتهم. تلك الأفكار ستنعكس بطبيعة الحال على الجسد الذي يمكن اعتباره أيضا سجنا صغيرا للإنسان.

ثانيا: الرواية احتفاء بالجنس” المحرم” كيف خدمت هذه التيمة العمل ككل؟ ولماذا استنهاض المعقول والواقع في آخر الرواية؟

في مجتمع تغلب عليه النظرة الإيديولوجية الضيقة ورفض الآخر المختلف، ينظر إلى جميع الأشياء من زاوية “حلال-حرام” . والجنس يعتبر على رأس هرم المحرمات، يحرم حتى النقاش فيه أيضا. بالرجوع إلى الرواية نجد أن البطل نشأ داخل هذا المجتمع ،لكنه بسبب دراسته تشبع بأفكار حداثية تحررية، هذا وضعه بين أمرين متناقضين، أن يرضخ لرغبة المجتمع و يقوم بكبت رغباته، أو أن يحرر نفسه هذا ما سيجعل منه رقما هامشيا منبوذا، مقصيا… لم يستطع أن يجد لنفسه مجالا ليمارس حريته، بل كانت عين الرقيب تترصده لتحد من حريته وإن كانت هذه الحرية لا تمس بحرية الآخر. عندما وصل إلى أرض أحلامه حرر غرائزه لدرجة لم يعد يتحكم فيها. فكانت تدفعه رغبة داخلية للإنتقام والانتصار لنفس كبحها الآخر بتدخلاته المستمرة في الوطن. ذهب البطل وراء نزواته إلى درجة السقوط في المحظور. عندما استيقظ وجد نفسه غارقا في العبث واللامعقول، هنا قرر إصلاح الأمر بطريقته.

ثالثا: جدلية الموت والحياة طاغية على روايتك، مع احتفاء كبير بفعل الانتحار، هل هذا رجوع الى الصواب ومحاولة جعل الحرية لا تتعدى حدود العقل؟ وهل هي قتل ذاك الجسد التواق للفعل الحيواني؟

يعيش الإنسان طيلة حياته يتأرجح بين فكرتي الحياة والموت. حقيقة الموت تجعله يعيش صراعا داخليا يتسم بالرفض حينا وبالقبول حينا آخر. حضور الانتحار في الرواية ليس احتفالا به، بل كفكرة حملها معه البطل وسافر بها محاولا التخلص منها. لكنها استطاعت أن تنتصر عليه بالرغم من أن النهاية مفتوحة لم تعلن على انتحار البطل. إن فكرة الخلاص من الحياة ومتاعبها تسكن الجميع، لكنها تنمو عند البعض وتندثر عند البعض الآخر. تلك الفكرة كان يظن البطل أنها نابعة من أسباب اجتماعية، ليخلص في الأخير أنها فكرة وليدة صراعات نفسية و تشظيات داخلية يعيشها البطل. حاول الانتصار في الأخير لفكرة إصلاح الذات قبل إلقاء اللوم على الآخر والمحيط الاجتماعي والظروف… استعانة البطل طيلة الرواية بالمخدرات والخمر هي محاولة منه لبتر ذلك الجزء من ذاته الميت الذي ينخر كيانه وينتشر كورم سرطاني داخله. لم ينجح البطل في ذلك، فسيطرت عليه الانهزامية بالرغم من تغييره لظروفه الاجتماعية، انضاف الاغتراب المادي إلى اغترابه النفسي. الشيء الذي وضعه أمام حتمية الرضوخ للفكرة التي حملها معه “كافكا” طيلة حياته. وصل البطل إلى أقصى حد عبثية الوجود وفقد “الهدف” الذي يحيا الإنسان من أجله، لقد فقد الإيمان بالحياة.

 

غلاف الرواية صهيل جسد