ما عدتُ طفلة..

كَبرتْ طفلتكِ يا أماه،

ها قد أصبحتُ امرأة ناضجة مثلكِ، وبعض ملامحي أصبحت تشبهكِ، أصغر فقط عندما تحضنينني، أعود طفلة مراهقة فقط عندما تُقبلينني، قبلات الأمهات آه لو تدرين تسحب من عمرنا كل العمر حتى نعود أجنة في بطونكنَّ.

كَبرتْ طفلتكِ يا أماه، تلك الطفلة التي كانت ترقص مع حبات المطر، وتشاكس فراشات الربيع، وتعرقل حركات النمل، وتُقبل قطع الخبز المهملة على الطرقات، وتتساءل أين تذهب الشمس بعد المغيب، وتعد النجوم المتلألئة في السماء، وتعد أمواج البحر وحبات الرمل والأسنان الهشة التي رميتها ببراءة إلى حيث الجمال، الشيء الوحيد الذي لا أحبُّ أن أعدَّهُ هو عمركِ، أُخطئ في العدِّ قصدا، وأُعيدكِ كما رأيتكِ أول مرة عند الولادة.

كبرتْ طفلتكِ يا أماه، تلك الطفلة التي كان همها الوحيد الحصول على ألواح الشكولاتة، ومراقبة قطع البسكويت وهي تختفي في كأس شاي، والجري بين ممرات الدروب، لم أعد أستطيع الركض تخيلِي، لا لم تخُنّي قوتي يا أماه لكن خانتني تلك الضفيرة التي كنتِ تغزلينها بمحبة لتستريح على ظهري، قصصتُ تلك الضفيرة بمقص المراهقة رغم غضبكِ، وصبغتُ شعري رغم تأنيباتكِ، أخبريني يا أماه لما شَعرنا يغدو ذابلا بلا حياة عندما تفارقه رعاية أناملكِ ؟

أماه تخيلي، قلّ أصدقائي ومعارفي، أكلتهم المواقف، كل موقف يظهر لي معدن غير صالح فأتخلى، أصبحتُ أمتهن التخلي – سامحني الله – لكن أنتِ تعرفينني أكره رائحة النفاق، وخطواتهم يا أماه شممتُ فيها رائحة نتنة.

العالم الخارجي حفلة تنكرية كل يرتدي قناعه، كل يرقص رقصته ويبتسم ابتسامته، لكني طالما كرهتُ الأقنعة يا أماه، حتى في صغري لم أشتري واحدا، كنتُ دوما ألعب بوجه مكشوف، أحببتُ الملامح الطبيعية، وأحببت أن أقرأ دواخلهم من نظرات عيونهم إليّ، لكني الآن أضع بيني وبين تلك الأقنعة مسافات بأسوار حديدية.

لا تلوميني يا أماه فأنا لستُ سيئة، لكن العالم الخارجي وحش ظالم لا يشبهكِ، وحكايات الشوارع والألسنة المتباينة بين الحقيقة والبهتان، ولغة الظلم والعنف والاعتداء والنفاق والتملق لم أختبرها بين لغاتكِ، قلتي لي في أغاني النوم الشذية أن الحياة وردية، حتى رسمتها في خيالي زاهية مثلكِ، شهية مثلكِ، وكنتُ أحسب أني إن اختليت بنفسي ستدق على باب قلبي رنات اهتمام شبيهة برناتكِ، وأن الكون بأكمله سيساندني ويحبني فقط لأني ابنتكِ، لكن لا حياة إلا أنتِ، ولا حياة بعدكِ.

جربتُ أن أمشي بجنب الحائط حتى أعيش طويلا كما تقولين دائما، جربتُ أن اصمت كثيرا وأتكلم ناذرا، جربتُ أن أنحني حتى أتفادى وطأة أقدامهم، لكن هذه العيشة لا تشبهني يا أماه، فأنا لا أستطيع العيش مكومة بجنب الحائط كنملة تسرق من بين خطوات المارة قوتها وتخبئه لينفعها أيام الاعتكاف والخوف من الطبيعة.

أنا لا تخيفني الطبيعة وان اشتدت عواصفها، أما لاحظتِ يا أماه أنني أصبحتُ امرأة من حديد تختفي وراء أحمر شفاه وكعب عالي، ألين فقط بين أنفاسكِ وفي حضن الصلاة، فلا شيء أصبح يكسرني، فكرة غيابكِ فقط هي من تقسمني إلى أنصاف متعددة.

فيا ليتنا كنا نرحل مع أمهاتنا في زمن واحد.