الرئيسية - عمود القلم الأسود - استراحة - على هامش أيام المعرض الدولي للكتاب

على هامش أيام المعرض الدولي للكتاب

عند منتصف النهار من يوم الثلاثاء 12 فبراير 2019، وصلتُ إلى المعرضِ، دفعْتُ ثمن تذكرتيْ دخول لزوجتي ولنفسي، بقيمة عشرين درهما، (ثمن كتاب أو كتابين من منشورات الهلال)…
بانَ لي زحامٌ قبل أن ألِجَ المعرضَ، كان أطفالُ مختلف المدارس حاضرين بهرجهم ومرجهم.. وساندويتشاتهم.. ومرافقيهم من مدرسين، لم أرَ واحداً منهم يحملُ كتابا!
أروقة مختلفة مساحاتُها؛ بعضها عريضة، وأخرى ضيقة، وبعضها شاغرة، وأخرى ممتلئة بوجوهٍ باسمةٍ تدعو إلى توقيع كتُبِها، والتقاط صورٍ للذكرى…
وكالات أنباء.. مراكز أبحاث.. ندوات باللغة العربية والفرنسية عن قضايا يتبادلُ فيها الآراءَ مهتمون لا يهتمُ بها الذين من الواجبِ أن يهتموا بها، ويحققوا بعضها في الوجود، ولا أنسب من قولة (لا رأي لمن لا يطاعُ) نُعَزّْي بها هؤلاء (الواهمين)!
بعض الناشرين عرفوا أنَّ أكبر مشكل يواجهه زوّارُ المعرض هو ثمنُ الكتاب، فعمدوا إلى اختيار كتبٍ، ووضعوا لها ثمناً واحداً متفاوتاً ما بين 10 دراهم، 15 درهم، 20 درهم، فأقبل عليهم الزوار، واشتروا ما اشتروا…
أمّا الناشرون الذين لم يتسنَّ لهم ذلك، وكانت منشوراتهم جديدة، وقيِّمَةً، وكانت أسعارُها فوق 50 درهم، فقليلاً ما يبيعون كتبهم، ويقضون كثيراً من نهارهم يعبثون بهواتفهم المحمولة. ومهما بادروا إلى خفض الأسعار فإنَّ الزوار يترددون في الشراء، والجوُّ في النهاية سيخلو لأهل الدار، وسيأخذون الجمَلَ بما حملَ بأرخص الأسعار، وبالمناسبة فصاحبُ منشورات الجمل كان حاضراً بمنشوراته القيمة، وقلَّ من يشتري منه أكثر من 3 كتب، فأسعارُ كتبه (نار يا حبيبي نار)!
عن نفسي، كيْ أقي جيْبي من هذه النار، قصدتُ بعض دور النشر المصرية، فهذه أرخصُ بالمقارنة مع غيرها، ومن حُسن الصدف أني عثرتُ على رواقٍ كان ممتلئاً بمنشورات دار الهلال، (كتاب الهلال) و(روايات الهلال)، وكان الثمن مناسباً، فاخترتُ عناوين من (هذا) و(تلك)، وكانت أغلبها عن الفن والفنانين والسيرة الذاتية.
ثم حملْتُ نفسي على شراء كتب أخرى، وأنا كارهٌ لثمنِها، لكنَّ رغبتي في قراءتها كانت أقوى من أي عجْزٍ، وأذكر بالخصوص كتاب (السيرة في المنفى) لبهاء طاهر، و(يوماً أو بعض يوم) لمحمد سلماوي… وكان بودّي أن أشتريَ (المذكرات المجهولة لنجيب الريحاني) و(ذكريات هند رستم) و(سيرة شادية)، ومؤلفات جديدة عن “نجيب محفوظ”، لكن العين بصيرة واليد قصيرة.
كان في برنامجي أن أوقع كتابي (نواكشوط الكتابة) في هذا اليوم، لكن لظروفٍ مفاجئةٍ تتعلق بالصديقة “زلفى أشهبون” بخاصة، استغنيْتُ عن هذا الترف، أو عن هذا (الوهْم)، فمن أكونُ في عالم الكتابة حتى أزهو بكتابي، وأفتخر بقراء يقبلون على كتابي، ويتشرفون بإمضائي، وإمضائي ما زال لمْ يُصادقْ عليه (الكبارُ المسيطرون)؟!
يكفي أني أهديْتُ بعضَ النسخِ لبعض الأصدقاء، الذين أتمنى أن يقرأوه، ويوقعوه بشهاداتهم وآرائهم، فرُبَّ قارئ لا يُبالي بأخْذِ صورة مع صاحب الكتابِ، ويأخذُ الكتاب بقوَّةٍ، خيرٌ من قارئٍ يحرصُ على الصورة، ويُهْملُ الكتابَ!
خارجَ المعرضِ كان هناك سرادِقٌ للمأكولات تقاطرَ عليه زوارُ مثل الذبابِ، قدَّمَ لهم طعاماً لا يسمن ولا يغني من جوعٍ، لكنه يسمن ويغني صاحبَه، فقد كان ثمنُها أرْفعَ من أغلى كتاب اشتريْتُه، وكان (يوماً أو بعض يوم)، بينما هي يستغرقُ تناولَها (خمس دقائق أو عشر دقائق)!
ما زالت المأكولات فوق المنشورات، وما زال البطن أهمَّ من العقل!