الثالوث المخيف

الخوف هو الشعور الناجم عن الخطر و الذي يفضي الى تغيير في السلوك مثل الهروب أو الاختباء… و هنا سأتحدث عن أكثر الأماكن اثارة للخوف والتي تتسم بالغموض و القداسة و الاحترام و التبجيل… وهي: المساكن المهجورة، المقبرة، الأضرحة…. هذه الأماكن الثلاثة المخيفة تشكل هاجسا مرعبا لأغلبية الناس، و القاسم المشترك بينها هو الاعتقاد بأن هذا الثالوث المخيف يمتلك قوة غيبية مدمرة عبارة عن لعنة أو شياطين أو أشباح… تطارد كل من انتهك قدسية مكان. لكن مع التغير الاجتماعي و التطور الفكري أصبح هذا الثالوث المخيف غير مخيف، بل أصبح مكانا آمنا للبعض. فكيف يمكن تفسير هذا الخوف من اللامرئي أو الخوف من أماكن مسكونة بالكائنات اللامرئية؟

من منا لا يخاف؟ الكل يحمل في نفسه شعورا بالخوف نتيجة تربية تلقيناها في الصغر، كبرنا و كبرت مخاوفنا المشروعة، لكن الخوف من اللامرئي أثار رغبتي الملحة في فك هذا اللغز. لهذا السبب قرأت الروايات المخيفة بحثا عن أسباب الخوف اللامرئي و مظاهره، و أدمنت على مشاهدة أفلام الرعب من أجل ايجاد الخيط الناظم الذي يربط الخوف باللامرئي، كما جلست في الأماكن المخيفة و سرت فيها ليلا دون أن أشعر بالخوف أو أحس بخطر يهددني…، بالعكس، كنت أجد متعة لا توصف و أنا أقرأ رواية شخصياتها موزعة بين الانس و الجن، كما قرأت العديد من مؤلفات بعض المشايخ أخرها كتاب: “حوار مع صديقي الجني”. اضافة الى الكتب أدمنت أيضا على متابعة أفلام الرعب حيث ملامح شخصيات الفيلم مخيفة للغاية، فكنت أسعد بتلك اللحظات الممزوجة بين الواقعي و الخيالي و الخوف والمتعة. في هذه العوالم المتفرقة اكتشفت أن الخوف من اللامرئي ما هو الا خوف مجاني و تصور انساني خاطيء لا أساس له من الصحة، حيث أن روايات كثيرة في المخيال الشعبي كرست هذا الخوف: عادة ما يقال بأن روح الميت تعود الى البيت و قد تتمثل في هيئة المتوفى قيد حياته، و أنه من الممكن أن يصاب المرء بلعنة ولي من أولياء الله اذا لم يفي هذا الأخير بوعده، كما أن للأرواح الشريرة التي تسكن في المساكن المهجورة و الأماكن الخالية لها القدرة الخارقة على قتل الانسان أو الحيوان…. كل هذه الأفكار الخاطئة لا توجد الا في لاوعي بعض الناس و التي تحدد تصرفاتهم، آن الآوان لمسح الأساطير و الخرافات من الذاكرة و”فرمطة” العقول المغلقة التي لا تساير العصر. و هنا أستحضر قولة الأجداد:” خاف من الحي و ما تخافشي من الميت”، المقصود هنا روح الميت، و هي قولة معبرة جدا على ما سبق ذكره.

ذاكرتنا الجماعية تختزن حمولة كبيرة من الأساطير و الخرافات حول الغول و “بوعو” و باقي الأرواح المرعبة اللامرئية… و التي كانت سببا في اصابة بعض الأشخاص بعاهات مستديمة أو المؤدية الى الوفاة حسب الاعتقاد السائد، هذه المخاوف التي تحملها خرافات الجدات و أساطير الأولين عززت مفهوم الخوف من المنازل المهجورة في لاوعي الناس لاعتقادهم بوجود عفاريت خطيرة قد تقضي على حياة كل من اقترب الى هذه المساكن الخالية. و تجدر الاشارة الى أن الاشارة الدالة على وجود الأرواح الشريرة بمكان ما هو النباح المتواصل للكلب أو أن ترفع الدابة أذنيها في اتجاه الأمام أو أن يقشعر جسد الشخص و يحس بشعر رأسه يقف… كل هذه الاشارات الدالة على وجود الجن و غيرها حسب الاعتقاد موجودة الا في جماجم بعض الأشخاص، فعلم النفس له رأي آخر يخالف ما تؤمن به العامة. و هنا أتذكر وجود فيلا جميلة خالية من ساكنها محاطة بمزرعة التفاح نواحي مدينة أزرو، لا يستطيع أحد الاقتراب منها لوجود العفاريت بها و التي تصدر أصواتا مرعبة ليلا من حين لآخر… هذه الروايات المخيفة المتراكمة و التي تزرع الخوف من الأماكن المهجورة تجعلنا نفقد شجاعتنا عند مواجهة اي شيء غير واضح الملامح في جنح الليل، كما تمنعنا من الخروج في الظلام الحالك لقضاء حاجتنا. و من طبيعة الانسان الخوف من كل ما هو مجهول فهو يخاف من الأشباح لأنه لا يعرف عنهم شيئا سوى أن الجن على هيئة انسان ذو أرجل كأرجل البقرة، هكذا صورته لنا الأسطورة ونحن صغار. كبرنا و اكتشفنا زيف اساطير الأجداد و أن الجن مخلوق أقل قدرا و كرامة من الانسان، حيث أظهر العلماء أن ضعف الجن و خوفه من الانسان لا يشكل خطرا على وجوده، و من يبحث عن حقيقة الجن في كتاب الله و السنة النبوية سيتغير منظوره للواقع و لن يحتاج لا لرقية شرعية و لا لأي حجاب. لا وجود حسي مادي للجن في الحياة الواقعية و كبار الرقاة لم يجدوا اي وجود حسي للجن لكن ذلك لا ينفي وجوده. كما اكتشف مؤخرا أن الاصوات الصادرة من المنازل المهجورة ماهي الا صوت الريح من خلال الفتحات الموجودة في الجدران. و مع هذا التغير الفكري أصبح الانسان يمشي في الأماكن الخالية ليلا و المنازل المسكونة و التي يقال عنها انها شديدة الخطورة حسب الزعم دون احساس بالخوف. كل هذه الأمور تجعلنا نعيد النظر في روايات الأجداد حول الأشباح و التي كانت مبالغة الى درجة كبيرة. و كم من عاقل حدثنا عن مغامراته و صراعه مع الجن و تصويره لنا على هيئة رجل لا يختلف كثيرا عن البشر او على شكل وجه صبوح لامرأة تطلب الزواج من محدثينا و قس على ذلك، لكني بعد هذه المدة أقول لذاك الرجل الذي حدثنا تحت الشجرة ذات يوم عن مغامراته الخيالية مع الأشباح، أقول له: أنت كذاب، لقد استغلت سذاجة الصغار و كذبت علينا، لو كنت حيا اليوم لرفعنا ضدك دعوة قضائية يا كذاب.

أعود للموضوع لأضيف الى موضوع المنازل المهجورة و أشباحها، موضوع المقبرة و أمواتها و التي هي من بين الأشياء التي تثير في الانسان الخوف و الرهبة، و هي مكان خاص يدفن فيه الموتى، و طبيعي عند مرور الانسان من المقابر تنتابه حالة الخوف ولو في عز النهار تحت الشمس، لأن الانسان بطبعه يخاف الموت وذكر الموت، فما بالك بالمرور بين المقابر و خاصة في الليل، فالرهبة التي تنتاب قلب الانسان كبيرة من هول الموقف و تصوره الاشباح، و خصوصا اذا كان المرء يحمل رزمة كبيرة في خياله من الأساطير المفزعة و التي دارت أحداثها بين المقابر. و تنعت المقبرة في المخيال الشعبي بالمدينة أي مدينة الأموات و هم كالأحياء يسمعون دعواتنا و ينتظرون زياراتنا و يعلمون ما نفعل… و عادة ما يدخل الشخص الى المقبرة لزيارة موتاه يستحضر مجموعة من الطقوس: طلب التسليم، رش الماء على القبر، توزيع بعض الفواكه الجافة أو الخبز على الحاضرين، ترتيل بعض الأدعية و تلاوة القرآن…. هذه الطقوس و الخوف من المقبرة و أمواتها تبدد اليوم كضباب في يوم مشرق، حيث أصبحت المقابر مكانا امنا للسكارى و اللصوص، كما اتخذت المقابر في بعض المناطق اماكن للتوسع العمراني او لتشييد ملاعب الكرة.

و أخيرا لا تخلو قرية مغربية من وجود ضريح ولي أو مزار أو زاوية… و هذه الأضرحة لها حضورها و أهميتها داخل نسيج المجتمع و حياته، و تستند الأضرحة و الزوايا على كرامات الولي الذي يدفن في أرض خاصة به و يشيد على القبر بناء يغطى بثوب أخضر مزخرف بآيات قرآنية. و أمام هذا الوضع كانت الساكنة تروي قصص الولي وكراماته التي تتجاوز حدود المعقول. هذه الأساطير توارثتها الاجيال حتى أصبحت محل احترام و تبجيل و لا يمكن الاقتراب الى الضريح الا بعد القيام بطقوس خاصة تطهيرية ينتقل من خلالها العبد من العالم المدنس الى العالم المقدس. هذه الأضرحة و التي نسج معها الاهالي طابع روحاني تميز بالقداسة لا تنتهك حرمتها خوفا من لعنة الولي المدفون تحت قبة الضريح. و تحكي بعض الأساطير أن ولي فلان بن فلان زار فجرا شخصا بالقرية المتواجد بها و أهداه مجوهرات و حلي ووو… الى غير ذلك من القصص القريبة الى الخيال. كل هذه المعتقدات فقدت سحرها أمام التغيرات التي يعيشها المجتمع الان في اطار التطور الطبيعي للمجتمعات و في اطار غول العولمة و الانفتاح على الاخر الذي كان له تاثير في تراجع دور الاضرحة في حياة الافراد، حيث أصيبت معظم الأضرحة باللامبالاة و النسيان و انقطع زوارها حيث اصبحت مأوى للمدخنين و المشردين يطئون أرضها باحذيتهم عكس ما كان معمولا به من قبل، حيث تنزع الأحذية عند باب الضريح و يبدأ الزوار بالتوسل الى الضريح و تقبيله من أجل فك سحر أو تزويج بنت أو طرد نحس…. و هذا لا يعني ان هذه الاضرحة تسير نحو نهايتها فحتى المجتمعات الاكثر عقلانية لم تتخلص بعد من هذه المعتقدات.

لقد شكل الثالوث المخيف: المساكن المهجورة، المقبرة، الضريح… سلطة غيبية رادعة لكل فعل يكون خارج اطار الجماعة و معتقداتها، هذه المصادر الثلاث المنتجة للرعب لا يجوز انتهاكها أو الاساءة اليها خوفا من لعنة محتملة قد تودي بحياة، فحافظت هذه المقدسات و غيرها على ميتافيزيقيتها الى الآن.