الرئيسية - عمود القلم الأسود - المنولوك - الغربة بنكهة أنثوية

الغربة بنكهة أنثوية

هنا الحرية..
أم هنا العبودية..
هنا أنثى قدرها اغتراب ونصيبها المجهول،

لا أبالي اليوم بما أنا عليه، اللحظة كل ما يهمني أن أُخرج جواز سفري من مخبئه، وانفض عنه غبار الحنين، وأعلمه أنه سيعانق اللاحدود قريبا.

طار فرحا مثلي – جواز سفري- كم من مرة لمحته مبتسما، حتى عندما يقسو عليه ختم ذاك الشرطي المتجهم، أبصره يلملم صفحاته المتناثرة شوقا لاحتضان كلمة مطبوعة في ذاك الختم :
” المملكة المغربية “.

أعمل على قدم وساق، أجتر سلع جميع المتاجر، أتذكر ما يشتهون – أحبتي – وأشتري ما طلبوه مني وما لم يطلبوه، وكأني أود أن أفرغ بلاد الغربة وأُعَمِّر بلدتي.

أملأ حقائبي بالحب، وأهديها لهم بكل حب، وأرجعها مملوءة بالحنين والذكريات، فأسوأ هدايا الاغتراب هي الذكريات، وتلك الصور التي أطردها من ذاكرتي فتختزن عنوة في ذاكرة هاتفي.

نظرات الإعجاب تحيطني من كل جانب، هي أنثى مغتربة، أنثى قوية، أنثى مستقلة ماديا ومعنويا، أنثى حظها يقسم الجبل ولا يعلمون أن سنين الغربة قسمتني أنصافا متعددة، كل نصف بمزاج وشعور مختلف.

فعلا الغربة جعلت مني امرأة لا تعتمد على أحد لكن هناك ضعف ما ينخر صورة المرأة الحديدية، هناك جرح عميق في مكان ما بالجانب الأيسر، هذا الجزء الصغير الذي أود في ليالي الحنين أن أبيعه بالمجان لكن ما أكثر القلوب المنبوذة هنا بالغربة.

المُغتربة واجهة جميلة من ورائها مشاعر خربها الحنين والاشتياق، إذا مرضتُ وحدي أضعف، وإذا مرض أهلي وأنا بعيدة عنهم أضعف أكثر، أخاف أن أموت وحيدة ولا أجد من يلقنني الشهادتين لذا كلما غفوتُ أتشهد، وكلما غفوت كانت أحلامي بنكهة الوطن، فماذا يصنع بنا هذا الوطن حتى يصير حلمنا الوحيد بعدما كان كابوسنا المظلم ؟

أخرج إلى عملي صباحا وأعود عندما يسدل الليل ستاره، نعم يحق لي أن أرتدي ما ابغي ولا من يسب أو يلعن أو يتحرش بي، لكني أرتدي ما تمليه علي هذه البذور من مبادئ نمت بداخلي أعواما، ويوم أرتدي لباسنا المغربي التقليدي أحسني أسعد من طفل في صبيحة عيد، أتحرش بكل العيون المارة بي لتتعرف على ثقافتنا وعلى تلك الأيادي الطيبة التي حبكت هذه الروعة، نعم أنا رائعة لكني أدفن جمالي هنا في غربة تخاف أن تعبر لي عن إعجابها بي، هنا لا تحس الأنثى بأنوتثها هي رجل يُعامل بلطف واحترام.

الغربة لها نكهة خاصة، مذاقها الأولي عسل ورغبة وشغف، وكلما تذوقناها أكثر ندمن عليها أكثر وأكثر، نعم ندمن على الغربة ولا مجال للتراجع أبدا، ندمن على أخلاقهم ومعاملتهم وأمانتهم وإخلاصهم، ندمن وعلى احترامهم لخصوصيات الغير وعلى إعطاء كل ذي حق حقه، فلا حقوق لي في بلدي فكيف أقلع على هذا الإدمان وان كان مضرا بسنوات عمر ؟

أرجع ثانية إلى المطار، أدفع جواز سفري عنوة إلى ختم ذاك الشرطي المغربي العابس الذي لم يدرس قانون سرقة الابتسامات ولا إهداءها إلى الوجوه الحزينة، أصل إلى مطار الغربة تبستم لي شرطتهم، رحب بي، يقول لي : أهلا وسهلا بك في بلدكِ.

هنا في هذه اللحظات شيء ما ينغص علي هويتي، شيء من المقارنة البغيضة التي لا أحاول التعلق بحبالها تقول لي : كل بلد أكرمكِ هو وطن وكل وطن أهانكِ هو غربة.